محسن دزه ايي
تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).
يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.
الجزء السادس والثلاثين
بدء المشاكل في منطقة أربيل
كانت العلاقة بين قيادة الثورة الكوردية والسلطة المركزية شبه راكدة ،فلم يطرأ أي تقدم في الموقف كما وأن الحكومة المركزية لم تخط أية خطوة لأجل حل المشكلة الكوردية وساد الجو نوع من التوتر، كما أبدت السلطة تذمراً كبيراً وعدم الرضا من اجراء التغييرات الجديدة في صفوف قوات البيشمركة وكانت التنظيمات الجديدة تعتبر اساساً لتكوين جيش نظامي ومنظم على شاكلة الجيوش الاخرى، وذلك على غرار تنظيمات الفرق والألوية والافـواج والوحدات التابعة لها وقياداتها وتشكيلات رئاسة الاركان العامة وغيرها ،وخلقت تلك التنظيمات حساسية كبيرة لدى السلطة وحقداً كبيراً لدى العسكريين وعلى رأسهم المشير عبدالسلام عارف وأعتبرتها السلطة تحدياً لها لذا عجل كل ذلك في أظهار النوايا الحقيقية للنظام وجعلها تسرع في اتخاذ الاجراءات والتهيؤ لجولة جديدة من القتال.

كل ذلك التوتر هيأ الجو لحدوث بعض المشاكل الفردية كقضايا اختطاف السيارات الحكومية وشبه الحكومية والموظفين من العسكريين في الجـيش والشرطة، وقد بعث متصرف أربيل -محافظ اربيـل- برسالة الى البارزاني يشكو فيها هذه التصرفات ويرجو منعها، ورغم ان البارزاني لم يلتق متصرف اربيل عبدالله المصرف آنذاك، الا انه كان يقدره ويكن له المودة والأحترام نظراً لموقفه المسالم غير العنيف ولرضا مواطني أربيل عنه بصورة عامة، بعدما لاقوا الأمرين من المتصرف السابق بدرالدين علي خلال السنوات الثلاث التي كان قضاها في أربيل، وتولى ادارتها بالحديد والنار والاجراءات التعسفية، لذا أمر البارزاني بذهابي الى أربيل ومعالجة هذه المشاكل ومنعها وكذلك أمر الشهيد ابراهيم أفندى -مفوض الشرطة السابق الجريء الذي سبق وأن التحق بالثورة سنة1963- لمرافقتي مع مفرزته، وخولني كـافة الصلاحيات لأتخاذ الأجـراءات التي نراها مناسبة لمنع مثل تلك الأعمال، وعند وصولي أربيل توجهت الى ديوان المتصرفية حيث زودني بقائمة المخالفات وذهبنا مع الشهيد ابراهيم أفندي للتحقيق فيها، وتبين بأن جميعها عبارة عن تصرفات فردية ومن أشخاص معنيين وأنها غير مخطط لها وأجريت دون علم قادتهم العسكريين أو الحزبيين، وعلمنا بأن بعض تلك السيارات موجودة لدى المدعو حمزه سيوى (الذي استشهد سنة 1995) فعثرنا على السيارات واسترجعناها ونبهنا حمزة من مغبة عمله وابلغناه بالذهاب ال رانية والبقاء هناك، كـما وعثرنا على سيارات أخرى في أماكن مختلفة، وفي أحدى الأمسيات ابلغنا المتصرف بأختطاف مدير شرطة الغابات، وعلمنا بأن المختطفين قد توجهوا الى قرية كسنزان حيث أحدى المقرات المؤقتة للبيشمركة، وقد وصلت المفرزة التي اختطفت مدير الشرطة المذكور المقر بعد وصولنا بخمس دقائق فقط، وكانت مفاجأة غير سارة لهم لدى مشاهدتهم ايانا هناك، فأعـدنا مدير الشرطة المصاب بالذعر معنا وأتخذنا الاجراءات اللازمة بحق المتجاوزين ولمنع تكرار مثل تلك الاعمال، وبعد التجول في المنطقة لعدة أيام وزيارة وحدات البيشمركة تم تأمين الاستقرار وعدم حدوث أية مشكلة أخرى، وكان المتصرف ممتناً لأستجابة البارزاني وهذا الاهتمام بالموضوع من جانبه، وهكذا عدت ثانية الى رانية.
حملة جمع التبرعات
كنا في شهر كانون الاول على ما أعتقد وبدأ فصل الشتاء بالزحف، فكان الجو بارداً وخاصة في مناطق رانية وقلعة دزه والمناطق الجبلية الاخرى، وكان التنقل صعباً خارج الطرق العامة، وقد عقد كل من المكتبين السياسي والتنفيذي اجتماعاً مشتركاً، وبعد التداول في الاوضاع العامة ودراسة احـتـياجات افراد البيشمركة، وجد ان من الضروري صرف مساعدة مالية لأولئك وخاصة نحن نواجه ذلك الشتاء القارس، ولما كانت امكانيـات قيـادة الحزب والثورة محدودة ولم تكن هنالك غير مبالغ مالية يسيرة متوفرة لدى القيادة، بحيث لا تكفى لصرف أية مساعدة تشمل افراد البيشمركة جميعاً، وسد احتياجات ذلك العدد الهائل، فقد استقر الرأي على القـيام بحملة جمع التبرعـات المالية من الميسورين من المواطنين من ابناء الشعب الكوردي وبطريقة طوعية دون اجراء عمل قسري، لعل حصيلة تلك الحملة مع ما يتيسر لدى قيادة الثورة الكوردية بأمكانياتها المتواضعة تصبح كافية لصرف المساعدة المالية المنشودة، وقد تقرر في ذلك الاجتماع ايفادي الى أربيل لأكـون على رأس اللجنة الخاصة بجمع التبرعات هناك بالتعاون مع الفرع الثاني للحزب في أربيل، وبعد تزويدي بالدفاتر الحسابية والايصالات اللازمة، توجهت الى أربيل عن طريق كويسنجق.
في أحدى الأمسيات ابلغنا المتصرف بأختطاف مدير شرطة الغابات، وعلمنا بأن المختطفين قد توجهوا الى قرية كسنزان حيث أحدى المقرات المؤقتة للبيشمركة، وقد وصلت المفرزة التي اختطفت مدير الشرطة المذكور المقر بعد وصولنا بخمس دقائق فقط، وكانت مفاجأة غير سارة لهم لدى مشاهدتهم ايانا هناك، فأعـدنا مدير الشرطة المصاب بالذعر معنا وأتخذنا الاجراءات اللازمة بحق المتجاوزين ولمنع تكرار مثل تلك الاعمال، وبعد التجول في المنطقة لعدة أيام وزيارة وحدات البيشمركة تم تأمين الاستقرار وعدم حدوث أية مشكلة أخرى، وكان المتصرف ممتناً لأستجابة البارزاني وهذا الاهتمام بالموضوع من جانبه، وهكذا عدت ثانية الى رانية.
وبعد الأجتماع والتداول مع المسؤولين في فرع الحزب واذكر منهم كل من اسماعيل ملا عزيز هيراني الذي كان عضواً في اللجنة المركزية ومسؤولاً للفرع، ومحمد ملا قادر وعلي هه زار وخورشيد شيره وغيرهم، تقرر تشكيل لجنة برئاستي وأذكر من الاعضاء اسماعيل ملاعزيز وغيره، وتم تنظيم قائمة أسماء الاشخاص من ميسوري الحال ومن المتعاطفين مع الثورة، وقد تم الاتصال بهم وزيارتهم ليلاً في دورهم وقد استجاب جميع من فاتحناهم بالموضوع دون ابداء أي عذر ودون التلكؤ وقد تم جمع مبلغ مناسب خلال ايام معدودة، وكنا على وشك الانتهاء من مهمتنا عندما استدعاني المتصرف عـبدالمنعم المصرف وسألني فيما اذا كنا نقوم بجمع التبرعات فأجبته بالأيجاب، ولما سألني عن المبلغ المزمع جمعه فقلت له: أي مبلغ ممكن، فأخبرني بضرورة انهاء الحملة لأنها مخالفة للقوانين، فوعدته بذلك، وقد استمرت الحملة لمدة يوم أو يومين آخرين وأنتهت بعد ذلك وبعد أن تم جمع مبلغ مناسب.
وأثناء وجودي في أربيل، قمت بزيارة العميد الركن كمال مصطفى آمر اللواء الثالث كعادتي في كل زيارة كنت أقوم بها لأربيل، اذ توطدت الصداقة مع هذا الانسان النبيل الذي يتصف بالكرم والمحبة والاخلاق السامية ويتمتع بروح وطنية عالية وأخلاص للعراق بعيداً عن العنف والشر. وكان يدعوني دومأ لتناول الطعام معه، وفي تلك المرة دعـاني لتناول العشاء في دار الضباط (أو النادي العسكري) وهناك تعرفت على العقيـد عمر الهزاع الذي كان من أقارب أحمد حسن البكر، وأصبح فيما بعد من كبار الضباط البعثيين وقد أعدمته السلطة بعد ذلك بطريقة بشعة حسبما سمعت، كما وتعرفت على المقدم الركن حميد اسماعيل السراج الذي كان من الضباط البعثيين ايضاً وأصبح فيما بعد مديراً عاماً للشرطة، وعندما كنت سفيرا للعراق فى براغ سنة 1970 ،عُين حميد السراج ملحقاً عسكرياً في سفارتنا بعد اقالة الفريق الركن الطيـار حردان عبدالغفار التكريتي وزير الدفاع ونائب رئيس الجمهورية في عهد البعثيين، فقد كان السراج يعتبر من انصار حردان التكريتي وتم تـسفيره قسراً الى براغ. وكان الضابطان المذكوران الهزاع والسراج من منتسبي اللواء الثالث وضمن وحداته وبأمرة العميد الركن كمال مصطفى.
وفى مساء التاسع من شهر شباط 1965 حررت رسائل خاصة الى وحدات البيشمركة في منطقة أربيل بناء على طلب فرع الحزب طالبأ العمل على إنجاح الاضراب ومنع التنقل في ذلك اليوم بين أربيل وكل من كركوك والموصل دون أي مساس بالقوات الحكومية،وفي اليوم المحدد أي في العاشر من الشهر نفسه بدأ الأضراب، ولم يباشر أي صاحب عمل عمله ونجح الاضراب مائة في المائة ولم يبق الا عدد قليل من المخابز مفتوحة وذلك لسد حاجة المواطنين،
ولم يكن العميد الركن كمال مصطفى مؤمنأ بتلك الأوضاع ولا بقـيادة عبدالسلام عارف لذا كانت العلاقات متوتر ة بين الاثنين دومأ وكـان عبدالسلام عارف شديد الحقد والكراهية لذا أحاله على التقاعد فيما بعد ولم يعد الى صفوف الجيش الا بعد مقتل عبدالسلام عارف وفي عهد رئاسة عبدالرحمن عارف، وبعد انجاز مهمتي هذه والقيام بهـذه الزيارات الخاصة عـدت ثانية الى رانية، وبعد تسليم المبالغ التي جمعناها نتيجة التبرعات الى المختصين في المكتب التنفيذي عدت الى عملي مباشرة وسار الوضع بصورة اعـتيادية. وفي نهاية شهر كانون الثاني من سنة 1965 حـصلت على اجازة بضعة ايام لقضائها بين أهلي في أربيل. وبدأ التـوتر في ذلك الوقت يظهر من جديد بعد مرور مايقارب من العام على اعلان الهدنة في العاشر من شباط سنة 1964 ،دون أن تقوم الحكومة المركزية بتنفيذ أي من وعودها التي قطعتها للثورة الكوردية، ورغم ذلك التوتر فقد حصلت على الاجازة المذكورة فقد كنت مطمئنآ من وجود كل من العميد الركن عبدالمنعم المصرف على رأس الادارة وكمال مصطفى على رأس وحدة الجيش الرابطة في أربيل فكانا عنصري خير وأمان، فسافرت الى أربيل بأطمئنان.
الذكرى الأولى للهدنة وحادثة العريف علي مولود
قضيت أيام اجازتي متمتعأ بالراحة وزيارة اقاربي واصدقائي واستـقبال الزائرين، وكنت أغتنم الفرص في بعض الاحيان لزيارة المتصرف وآمر اللواء الثالث وتبادل وجهات النظر معهما حول الاوضاع السائدة، وكان شقيقي كاك حمد ايضأ متواجدأ في أربيل في داره في محلة آزادي وكنت أقـوم بزيارته وعائلته ايضأ، وبعد قضاء أكثر من اسبوع على هذا المنوال وفي اليـوم الثامن من شهر شباط 1965 على ما أعتقد، أردت العودة الى رانية فأتصل بي اسماعيل الملا عزيز المسؤول عن الفرع الثاني للحزب وابدى رغبته في بقائي في أربيل لأن الحزب قرر القيام بأضراب عام في جميع انحاء كوردستان في العاشر من شباط سنة 1965، بعد مرور عام واحد على اتفاق الهـدنة المعقود بين قيادة الثورة الكوردية والسلطة المركزية واحتجاجأ على عدم تنفيذ الحكومة لوعودها. وقد رجاني كل من المتصرف وآمر اللواء بالبقاء ايضاً في أربيل في ذلك اليوم لأعاون في تلافي أية مشكلة قد تطرأ نتيجة الاضراب، فقررت البقاء.

وفى مساء التاسع من شهر شباط 1965 حررت رسائل خاصة الى وحدات البيشمركة في منطقة أربيل بناء على طلب فرع الحزب طالبأ العمل على إنجاح الاضراب ومنع التنقل في ذلك اليوم بين أربيل وكل من كركوك والموصل دون أي مساس بالقوات الحكومية.
وفي اليوم المحدد أي في العاشر من الشهر نفسه بدأ الأضراب، وقد شمل الافق جميعا في أربيل ولم يباشر أي صاحب عمل عمله ونجح الاضراب مائة في المائة ولم يبق الا عدد قليل من المخابز مفتوحة وذلك لسد حاجة المواطنين، وقد مر الوقت بسلام ودون حدوث أية مشاكل وقبل الظهر بقليل اتصل بي هاتفيأ العميد الركن كمال مصطفى آمر اللواء الثالث، وطلب مني الحضور سريعاً في مقر اللواء لأمر هام، ولدى مغادرتي صادفت عند باب الدار كل من اسماعيل ملاعزيز مسؤول فرع الحزب وعلي هه زار مسؤول أحدى اللجان المحلية وأخبروني بأن كادرأ حزبيأ وأسمه (سليم آغوك) قد اعتقل من قبل منتسبي الجيش عندما كان يطلب من صاحب أحد المخابز تعطيل مخبزه، فذهبت الى مقر اللواء واستقبلني آمره العميد الركن كمال مصطفى وأخبرني بصـدور الاوامر بفتح الطريق بين اربيل وكل من كركوك والموصل وأن قـوات الجيش قد غادرت كركوك وستخرج وحدة من أربيل ايضا لهذا الغرض وأخبرني بضرورة ابلاغ وحدات البيشمركة بأخلاء مواقعهم على الطريق العام قبل وصول قوات الجيش، وبينما كنت جالسأ معه أتصل به هاتفيأ قائد الفرقة الثانية العميد الركن ابراهيم فيصل الانصاري وابلغه أوامره بضرورة تحريك الدبابات لتنفيذ هذه المهام ولما أجابه العميد الركن كمال مصطفى بأنه لاداعي لذلك بل أن قوة صغيرة تكفي لذلك، أصر الانصاري على أوامره وطلب تنفيذها فورأ، لذا طلب مني العميد كمال التحرك بسرعة لأبلاغ وحداتنا وازاحتها قبل وصول الدبابات، وقبل أن اغادر الغرفة كلمته عن قضية الكادر الموقوف فأخذني الى غرفة ضابط الاستخبارات، وكان الرائد الركن داود المعاضيدي على ما أعتقد، ووجدت سليم آغوك جالسأ وهو يدلي بأفادته فأنهضه آمر اللواء وأمر بأطلاق سراحه ومزق الاوراق التحقيقية، وكذلك أمر باعادة قطعة السلاح التي كانت بحوزته، وخرجنا مسرعين نحو داري وهناك اصطحبت افراد البيشمركة المرافقين لي وكان عددهم ستة أو سبعة أشخاص، توجهت مسرعأ نحو طريق كركوك وقد اوقفني الجنود المرابطون في نقطة السيطرة ولم يدعـوني أن اغادر الا بعد الاتصال بآمر اللواء، وعندما غـادرت السيطرة شاهدت الدبابات ورائي مباشرة وكان عددها ثلاثة فقط.