أكرم رؤوف بابان: أنغامٌ صنعت ذاكرة الوطن

محمد علي محيي الدين

في سجلِّ الرواد الذين أسهموا في بناء الوعي الفني والتربوي في العراق، يبرز اسم أكرم رؤوف بابان بوصفه واحداً من أولئك الذين لم يتعاملوا مع الموسيقى على أنها ترفٌ جمالي فحسب، بل رسالة وطنية وتربوية قادرة على تهذيب الذائقة وإيقاظ الحماسة في نفوس الأجيال. فقد كان من أوائل من أدركوا أثر النشيد المدرسي في صناعة الوجدان الجمعي، فسخّر موهبته وحياته لخدمة الموسيقى والتربية معاً، حتى غدا اسمه ملازماً لذاكرة الأناشيد الوطنية والقومية التي رددتها مدارس العراق لعقود طويلة.

وُلد أكرم رؤوف بابان سنة 1908 في مدينة العمارة لأسرة بابان الكردية المعروفة، وكان والده ضابطاً في الجيش العثماني مولعاً بالموسيقى وفنونها، الأمر الذي أتاح للطفل الصغير أن ينشأ في بيئة قريبة من عالم الأنغام والإيقاعات. ولم تلبث تلك البذرة أن نمت سريعاً، حتى استحوذت الموسيقى على وجدانه مبكراً، ولا سيما بعد أن عهد والده إلى معلمة فرنسية مهمة تعليمه أصول العزف وقراءة النوطة الموسيقية، فكان ذلك التأسيس المبكر سبباً في صقل موهبته ومنحه ثقافة موسيقية متقدمة قياساً بزمنه.
في أواخر عشرينيات القرن الماضي بدأ رحلته معلماً للنشيد والموسيقى متنقلاً بين النجف والحلة وكربلاء وبغداد وغيرها من المدن العراقية، حاملاً معه شغفاً لا يهدأ بتعليم الأجيال فن الموسيقى والانضباط الجماعي الذي تمنحه الأناشيد المدرسية. وفي مدرسة الحلة الشرقية تحديداً لمع اسمه بوصفه مربياً وفناناً استطاع أن يؤسس فرقاً للإنشاد والموسيقى النحاسية، سرعان ما ذاع صيتها في منطقة الفرات الأوسط، وأسهمت في إحياء النشاط الفني داخل المدارس العراقية.
غير أن تجربته الأهم تمثلت في عمله أستاذاً للنشاط الفني في دار المعلمين بالأعظمية، حيث تحولت قاعات الدرس على يديه إلى ورشٍ حقيقية لصناعة المواهب. فقد كان يمتلك قدرة نادرة على اكتشاف الطاقات الفنية لدى طلبته، ويمنحهم من خبرته ما يفتح أمامهم أبواب المستقبل. وتلمذ على يديه عدد كبير من الفنانين والملحنين الذين أصبحوا لاحقاً من أعلام الموسيقى العراقية، وفي مقدمتهم الفنان محمد جواد أموري، الذي ظل يذكر فضل أستاذه عليه في تعلم العزف الشرقي والغربي وكتابة النوتة الموسيقية، حتى قال إن أكرم رؤوف كان مدرسة قائمة بذاتها في تعليم أصول الموسيقى ونظرياتها.
ولم يكن دوره مقتصراً على التعليم المدرسي، بل امتد إلى فضاء الثقافة العامة والإذاعة العراقية، حيث قدّم برامج موسيقية وأناشيد وطنية وقومية من تلحينه وإشرافه المباشر، فكان صوته الفني حاضراً في وجدان الشباب والطلبة. وقد استطاعت أعماله أن تشعل روح الحماسة والانتماء في مرحلة تاريخية كانت الأمة العربية تبحث فيها عن نهضتها وهويتها. ومن أشهر ما لحّنه من أناشيد ما بقي محفوراً في الذاكرة العراقية والعربية مثل “نشيد الوطن” و“الجزيرة العربية” و“بلاد العرب أوطاني” و“الفتوة”، فضلاً عن أعمال موسيقية أخرى مثل “رقصة العندليب” و“ليالي دجلة” و“نشيد الأندلس” و“مارش النهوض”، وهي أعمال كشفت عن حس فني يجمع بين الرصانة الأكاديمية والروح الشعبية القريبة من الناس.
لقد كان أكرم رؤوف بابان فناناً يؤمن بأن الموسيقى قادرة على بناء الإنسان، لذلك كرّس حياته لتأسيس الفرق الموسيقية المدرسية وتعليم الطلبة العزف على الآلات المختلفة، ولا سيما العود والكمان، حتى وصفه الناقد الموسيقي عبد الأمير الصراف بأنه عارف بارع بالعود والكمان، علّم الكثيرين أصول العزف وفنون الأداء. كما كتب عنه الدكتور طارق حسون فريد والموسيقار سلمان شكر بإعجاب كبير، مشيرين إلى أثره العميق في الحياة الموسيقية العراقية، وإلى قدرته على الاندماج مع البيئات الاجتماعية التي عاش فيها، فكان قريباً من الناس، محباً لتلاميذه، ومخلصاً لفنه ووطنه.
وعلى الصعيد الإنساني، ارتبط بالمناضلة الوطنية صبيحة عبد الله الخالدي، المعروفة بـ(أم أياد)، التي كانت مثالاً للإخلاص والوطنية، وأسهمت في تربية أبنائهما التسعة وسط حياة حافلة بالعطاء والتحديات.
رحل أكرم رؤوف بابان عام 1971 في بغداد، بعد مسيرة فنية وتربوية امتدت قرابة ثلاثة عقود، غير أن رحيله لم يطفئ حضوره، فما زالت ألحانه تتردد في الذاكرة العراقية، وما زال أثره قائماً في نفوس تلاميذه ومحبي الموسيقى. لقد كان واحداً من أولئك الرواد الذين صنعوا من الفن رسالة، ومن النشيد روحاً للوطن، فاستحق أن يبقى اسمه مضيئاً في تاريخ الموسيقى العراقية الحديثة.

قد يعجبك ايضا