صلاح بكر
تتأرجح العلاقة بين العاصمة العراقية بغداد واقليم كوردستان على حبل مشدود من الأزمات المتراكمة، في مشهد سياسي يبدو وكأنه مسرحية عبثية تتكرر فصولها مع كل تشكيلة حكومية جديدة، ومع اعلان السيد علي فالح كاظم الزيدي عن منهاجه الوزاري للحكومة العراقية للفترة (2026-2029) اتجهت الأنظار نحو ما تحمله طيات هذا البرنامج من رؤى وحلول للملفات الشائكة بين المركز والإقليم،غير أن الغوص في تفاصيل هذه الوثيقة المكونة من ثلاثة عشر صفحة يكشف عن مفارقة صارخة، ففي الوقت الذي تصدح فيه الديباجة بشعارات “دولة مستقرة” و”شراكات متوازنة”يبدو أن صوتا نشازا يعزف لحن التجاهل المتعمد لواحدة من أهم ركائز الاستقرار في البلاد.
*غياب مدوِ في سطور المنهاج*
من خلال القراءة المتأنية والتحليل العميق للمحاور الأربعة عشر التي تضمنها المنهاج الوزاري، يتضح جليا ان اقليم كوردستان لم يحظ بذكر صريح أو فصل مستقل يعالج قضاياه المحورية،إن هذا الغياب ليس مجرد هفوة عابرة، بل قد يقرأه المراقبون على انه استراتيجية متعمدة لتهميش الملف الكوردي او ارجائه الى اجل غير مسمى، فبينما افرد المنهاج مساحات واسعة للحديث عن “تعزيز سيادة الدولة والأمن الوطني” في المحور الأول، و”الإصلاح الاقتصادي والمالي” في المحور الثالث، غابت الإشارة إلى كيفية تحقيق هذا الاستقرار المنشود في ظل استمرار النزاعات الجوهرية مع أربيل.
إن المشاكل العالقة بين الطرفين ليست وليدة اللحظة، بل هي ارث ثقيل من التراكمات التي اعقبت عام 2003.وتتصدر هذه الأزمات قضايا مصيرية مثل المادة 140 من الدستور العراقي الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، وحصة الإقليم من الموازنة الاتحادية، فضلاً عن أزمة الرواتب التي باتت سيفاً مسلطاً على رقاب موظفي الإقليم.
*المادة 140: الجرح الذي يرفض الالتئام*
تعد المادة 140 من الدستور العراقي، والتي تعنى بتطبيع الأوضاع في كركوك والمناطق المتنازع عليها الأخرى، بمثابة قنبلة موقوتة في خاصرة العلاقة بين بغداد وأربيل، تنص هذه المادة على مراحل ثلاث: التطبيع، والإحصاء، والاستفتاء لتحديد مصير هذه المناطق. ومع ذلك، فإن التجاهل المستمر لتطبيقها منذ إقرار الدستور يعكس أزمة ثقة عميقة.
في المنهاج الحكومي للسيد الزيدي، لا نجد اي تلميح للتعامل مع هذا الملف الشائك. بل على العكس، يؤكد المحور الأول على “توحيد القرار الأمني وربط جميع الموارد والقدرات بمنظومة الدولة الرسمية”، وهو توجه قد يُفسر على أنه محاولة لمزيد من المركزية واضعاف سلطة الإقليم، إن هذا التجاهل لا يحل المشكلة، بل يعمق الجراح ويترك الباب مفتوحاً أمام توترات سياسية قد تعصف بالاستقرار الهش.
*النفط والغاز: شرايين الاقتصاد أم خناجر الصراع؟*
لا يقل ملف النفط والغاز خطورة عن سابقه، فهو يمثل عصب الاقتصاد العراقي وأحد أبرز ميادين الصراع بين السلطتين الاتحادية واقليم كوردستان،يكمن جوهر الخلاف في تفسير المواد الدستورية المتعلقة بإدارة الثروات الطبيعية، فبينما تصر بغداد على مركزية الإدارة وتعتبر اي عقود تبرمها أربيل بمعزل عنها “باطلة”، تتمسك حكومة الإقليم بحقها الدستوري في إدارة حقولها النفطية وعقد الشراكات مع الشركات الأجنبية.
وقد تجلى هذا الصراع مؤخراً في الأزمة التي أعقبت توقيع أربيل لاتفاقيات ضخمة في مجال الطاقة مع شركات أميركية، مما دفع بغداد إلى اتخاذ إجراءات عقابية قاسية تمثلت في إيقاف صرف رواتب موظفي الإقليم واللجوء إلى المحاكم. وعند النظر في المنهاج الوزاري للزيدي، نجد أن المحور الرابع الخاص بالطاقة يركز على “إصلاح شامل لملف الكهرباء” و”بناء شراكات استراتيجية مع شركات النفط العالمية”، لكنه يتجاهل تماماً وضع آلية لإنهاء الخلاف النفطي مع أربيل أو تشريع قانون اتحادي للنفط والغاز يرضي جميع الأطراف.
*خطى الأسلاف على درب التيه*
أمام هذا المشهد الضبابي، يطرح التساؤل نفسه بإلحاح: هل وضع الزيدي برنامجا حقيقيا لحل المشاكل مع كوردستان، أم أنه سيخطو خطوات أسلافه في إدارة الأزمات بدلاً من حلها؟
الواقع الذي ينطق به المنهاج الحكومي يشير بوضوح إلى الاحتمال الثاني. ان خلو الوثيقة من اي التزام صريح بتصفير الأزمات مع أربيل، واعتماد لغة فضفاضة تتحدث عن “الاستقرار” و”سيادة القانون” دون ملامسة الجروح الغائرة، يؤكد أن الحكومة الجديدة قد تلجأ إلى سياسة الترحيل والمماطلة التي انتهجتها الحكومات السابقة.
علاوة على ذلك، فإن المحور الثاني المتعلق بالسياسة الخارجية، والذي يركز على “ابعاد العراق عن محاور الصراع الإقليمي والدولي”، يصطدم بواقع التدخلات الخارجية التي تلعب دوراً محورياً في تأجيج الخلاف بين المركز والإقليم. فالصراع على الغاز الكوردي وتأثيره على النفوذ الإيراني، والضغوط الأميركية في هذا الملف، كلها عوامل تجعل من الصعب على بغداد اتخاذ قرارات مستقلة ترضي أربيل دون إغضاب حلفائها الإقليميين.
*صمتٌ يسبق العاصفة*
ختاما يمكننا القول إن المنهاج الحكومي للسيد علي الزيدي قد اختار الهروب إلى الأمام فيما يخص الملف الكوردي،إن هذا التجاهل ليس حلاً، بل هو بمثابة رماد يذر على جمر الأزمات المتقدة. فبينما تتحدث الوثيقة بلغة واثقة عن بناء اقتصاد منتج وشراكات متوازنة، يبقى إقليم كوردستان خارج معادلة هذا الاستقرار المنشود.
إن التاريخ السياسي للعراق الحديث يثبت أن أي محاولة للقفز فوق القضايا العالقة بين أربيل وبغداد، سواء كانت المادة 140 أو قانون النفط والغاز أو أزمة الرواتب، لن تؤدي إلا لمزيد من الاحتقان والتشظي. وعلى السيد الزيدي أن يدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يبنى بالتجاهل، بل بالمواجهة الشجاعة لجذور المشاكل وتأسيس حوار وطني صادق ينهي حقبة الصراع ويفتح صفحة جديدة من الشراكة الحقيقية،وإلا فإن حكومته لن تكون سوى فصل جديد في كتاب الأزمات العراقية التي لا تنتهي.