احداث عاصرتها

 

محسن دزه ايي

تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).

يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

 

الجزء الخامس والثلاثين

مجلس قيادة الثورة الكوردية

كان هدف البارزاني أن يساهم مختلف طبقات الشعب في صنع القرار، وأن يساهم الجميع في أمور الثورة، وكانت هذه نابعة من نظرة ديمقراطية الى الأوضاع، ففكر في استحداث مجلس يضم ممثلين عن جميع الفئات من الحزبيين وغير الحزبيين، ولما كان اجراء الانتخابات العامة متعذراً في مثل تلك الظروف، وبعد التفكير واجراء مشاورات عديدة مع مختلف الاطراف تقرر عقد مؤتمرعام كبير يضم ممثلين عن جميع الفئات ومع اختـلاف الآراء والميول، وأنتخب هذا التجمع الكبير الذي عقد في أوائل شهر تشرين الاول من العام 1964  فيما بينه زهاء سبعون شخصاً كأعضاء دائميين، وعلى شكل مـجلس نواب أو برلمان وسمي ب (مجلس قيادة الثورة)، وأنتخب هؤلاء فيما بينهم عدة اشخاص لتمشية الأمور وسمي ذلك المجلس بالمكتب التنفيذي، وكان بمثابة مجلس وزراء يترأس كل عضو أحد الأقسام كالمالية والشؤون العسكرية وأمور القضاء وأمور الادارة والصحة والتعليم وغيرها، وكان مجلس قيادة الثـورة يجتمع كل أربعة أشهر ويجري خلال أجتماعه مناقشة مختلف أمور الثورة والمشاكل التي برزت في المدة الواقعة بين اجتماعين، وكان المجلس في خـتـام اجتماعـاته يعيـد انتخاب المكتب التنفيذي بطريقة الاقتراع السري، وقـد كان مجلس قيادة الثورة الكوردية يختلف كثيراً عن أمثالها من مجالس قيادة الثورة ،التي كانت تشكل عادة بعد الانقلابات العسكرية من الضباط الذين يقومون بها أوالمتنفذين في السلطة بحيث يقل عددهم عن عدد أصابع اليدين.

 

أود أن أورد هنا مثالاً على وفاء البارزاني الراحل وتقديره للأشخاص الذين بادلوه الوفاء، فـقـبل مغادرتنا قرية (ديرى) المذكورة والذهاب الى رانية للقاء الوفد الرسمي الذي كان يرأسه محافظ السليمانية آنذاك السيد عبد الرزاق السيد محمود، وكنا متجمعين ننتظر مغادرة البارزاني لمرافقته، وجه الينا الكلام وقال بأنه يرى من الواجب عليه أن يزور رجلاً عجوزاً وهو مريض وطريح الفراش، وكـان ذلك الرجل هو مصطفى عقراوي، الذي كان مؤتمن البارزاني، وقد أعجبت بهـذا التـصرف وأثره في هذا التواضع وهذا الوفاء، الصفتان التى اكتشفتهما في البارزاني واللتين لازمتاه حتى رحيله مع صفاته الحميدة الأخرى.

 

ان عقد ذلك التجمع وتأسيس مجلس قيادة الثورة الكوردية وتسميـته بذلك الإسم كان سبباً في اثارة قلق كبير وغضب شديد لدى السلطة، فعلاوةً على كون العملية نوعاً من الديمقراطية كانت السلطة لاتريد أن تكون للثورة الكوردية مؤسسات من هذا النوع، بحيث يساعد الى استمرارها وتنظيم أمورها، لذا كان من أول طلبات النظام بعد اتفاقية 11 آذار سنة 1970 كان حل مجلس قيادة الثورة الكوردية.

 

 

لم أكن حاضرأثناء عقد هذا الاجتماع وانتخاب مجلس قيادة الثورة الكوردية والمكتب التنفيذي، بل كنت في بغداد آنذاك للعلاج من مرض الملاريا الذي اصبت به، ورغم عدم حضوري فقد جرى انتخابي كعضو في مجلس قيادة الثورة الكوردية وكذلك المكتب التنفيذي، وأنتخب شقيقي كاك أحمد عضواً فى المجلس المذكور ايضاً. ثم باشرت عملي بعد عودتي، ولم يكن الأمر جديداً بالنسبة لي، لأنني كنت أقوم بنفس المهام كمسؤول للقسم العدلي قـبل تشكيل مجلس قيادة الثورة والمكتب التنفيذي.

وفي بغداد قبل عـودتي طلب مني كل من بابا علي الشيخ محمـد وزيد أحمد عثمان -ابن خالتي- ايصال رسالة من قـبلهم الى البارزاني، اذا كان ذلك ممكناً ونقل الجواب لهم ولما ابديت استعدادي لذلك سلماني رسالة مختومة وقالوا انها موقعة من قبلهم وبعض الشخصيات الكوردية الاخرى، من أمثال فؤاد عارف وعلي كمال والدكـتــور عبدالرحمن عبدالله واللواء مجيد على والعميدين عبدالله سعيد ورؤوف أحمد قادر.

ولما وصلت رانية ذهبت في اليوم التالي مع شقيقي كاك أحمد وسلمت البارزاني الرسالة المذكورة والذي حملني الجواب ايضا. كان البارزاني يقيم في قرية اسمها (ديرى) قرب رانية، وتصل السيارة الى منتصف الطريق وعلى الشخص بعد ذلك أن يقطع المسافة الباقية سيراً على الاقدام. وقد مكثنا تلك الليلة هناك حيث اجتمعنا بالبارزاني الذي كان قد وصلته حديثاً بعض الأسلحة الخفيفة -البنادق- فزود كاك أحمد بعدة قطع منها، وكذلك أهدى لي احداها ايضا. وفي الصباح الباكر استعدنا للعودة الى رانية وكان البارزاني يتوجه في نفس الوقت الى رانية للقاء وفد رسمي، وشعرت بصداع وحمى شديدين وعاودتني نوبة الملاريا، وأثناء السـير كان البـارزاني يمتطي جواداً أيضاً فشعر بأني في وضع سيء، فأراد أن يترجل ويعيرني جواده فأمتنعت عن ذلك، وبعد جهد جهيد وصلنا الى مـوقف السـيارات، وأود أن أورد هنا مثالاً على وفاء البارزاني الراحل وتقديره للأشخاص الذين بادلوه الوفاء، فـقـبل مغادرتنا قرية (ديرى) المذكورة والذهاب الى رانية للقاء الوفد الرسمي الذي كان يرأسه محافظ السليمانية آنذاك السيد عبد الرزاق السيد محمود، وكنا متجمعين ننتظر مغادرة البارزاني لمرافقته فوجه الينا الكلام وقال بأنه يرى من الواجب عليه أن يزور رجلاً عجوزاً وهو مريض وطريح الفراش، وكـان ذلك الرجل هو مصطفى عقراوي، الذي كان مؤتمن البارزاني وكذلك جميع شيوخ بارزان وقد خدمهم بأخلاص منذ شبابه وكان وفياً تجاههم جميعاً وحريصاً على عمله كأنه فرد من أفراد العائلة، وقد رافقهم الى منافيهم في مدن جنوب العراق والسليمانية وإيران وأستمر في عمله مخلصاً حتى وفاته وأستمر من بعده أولاده صالح وابراهيم وحسين وكذلك أحفاده على شاكلته، كان المرحوم مصطفى يرقد على فراش المرض في الهواء الطلق اذا كان الجو معتدلاً، وكان بعيداً عن مكان تجمعنا فتوجه البارزاني الى ذلك المكان وجلس بجانبه، ونحن نراقب وأخذ يبادله الحديث ويلمس يده وأستمر على ذلك الوضع بضعة دقائق وعاد الينا وقال بأن هذا الرجل العجوز عزيز علينا كثيـراً، وقد أعجبت بهـذا التـصرف وأثر في هذا التواضع وهذا الوفاء، الصفتان التى اكتشفتهما في البارزاني واللتين لازمتاه حتى رحيله مع صفاته الحميدة الأخرى.

 

لما دخلت على الفريق طاهر يحيى وجدت مذكرتنا أمامه على مكتبه فأبدى نوعاً من التذمر عل تلك المطاليب، وقال بأنه يبذل جهوده لحل المشاكل المعلقة، وفهمت منه أنه رجل مسالم وحريص على استمرار الهدنة بيننا، ولكن في نفس الوقت ادركت بأن عقلية عـبـدالسلام عـارف ونظرته العنصرية الى الشعب الكوردي وعـدم ايمان النظام بصورة عامة بأي حق لهذا الشعب يحول دون أتخاذ أية خطوات ايجابية، وبدأ رئيس الوزراء يلوم الوضع ويشكو من عدم وجود أي شخص يعاونه فيما يتعلق بالمشكلة الكوردية.

وصلنا موقف السيـارات ووجدت السيارة التي كانت تنتظرنا مع شقـيقي كاك أحمد، وفور وصولنا رانية، توجهت رأساً الى منزل الشيخ حميد لأستلقي على الفراش ولم أتمكن من الذهاب الى المكان المخصص لإستقبال الضيوف والوفـود، وبعد العلاج والمداواة لعدة أيام شعرت ببعض التحسن وعـدت الى أربيل لأكمال العلاج، وثم توجهت الى بغداد ثانية حيث سلمت كل من الشيخ بابا علي الشيخ محمود وزيد أحمد عثمان، رد البارزاني على رسالتهم اليه، وبعد أن التقيت ببعض اصدقائي القدامى منهم المرحومين اسماعيل الدامرچي وعدنان الدبوني وغيرهما، عدت الى أربيل ومنها الى رانية حيث مقرعملي.

كان يقوم بمهام سكرتير المكتب التنفيذي السيد مصطفى القره داغي وكان عضواً في المكتب السياسي ايضاً بعد الؤتمر السادس، وكنا أربعة أو خمسة أشخاص كأعـضاء في المكتب التنفيذي مقيمين في نفس المبنى، وكنت قد أتخذت من مبنى آخر في رانية مقراً لأقامتي الشخصية يرافقني أربعة أو خمسة أفراد من  البيشمركة وكنت أعود اليها مساءً بعد انتهاء عملي، وكان يزود مقرنا ذلك بالمؤن اللازمة السيد الملا عبدالله البارزاني، الذي كان أميناً لمخزن المؤن الخاص بالبيشمركة، وكان الملا عبدالله هذا رجلاً طيباً ومن الذين رافقوا البارزاني في مسيرته الشهيرة الى الإتحاد السوفياتي سنة 1947 ولايزال في قيد الحياة.

 

 

وفي أواخرالشهر المذكورأوخلال شهر تشرين الثاني، قررالمكتب السـياسي للحزب والمكتب التنفيذي، توجيه مذكرة الى رئيس الوزراء الفريق طاهر يحيى ضمنتها انتقاداً كبيراً للسلطة على عدم تلبية المطاليب العادلة للشعب الكوردي، وكذلك بعض المطاليب شبه التعجيزية ومذيلة بتوقيع البـارزاني الذي لم يقتنع بتقديم المذكرة في تلك الظروف وان الوقت لم يحن لذلك بعد، ولكن اصرار المكتبين السـياسي والتنفيذي على ذلك جعله يوقع عليها، وقد سلم متصرف السليمانية عند مجيئه في ذلك الوقت المذكرة لتسليـمها الى رئيس الوزراء، وقد سلمني المكتب التنفيـذي نسخة أخرى منها وطلب مني السفر الى بغداد وتسليم المذكرة شخصياً الى رئيس الوزراء للتأكد من تسلمه اياها.

وقد غادرت بعد ذلك بيوم واحد الى بغداد عن طريق السليمانية، وكانت هي المرة الأولى التي اسلك تلك الطريق الى بغداد، وفي السليمانيـة اسـتـقـليت سيارة أجرة كأحد المسافرين، وكان يجلس في الحوض الخلفي ثلاثة من النسوة من أهالي السليمانية، واتبعنا طريق دربنديخان وعلمت بأن هنالك نقطة سيطرة وتفتيش فيها ضابط صف شرس الذي يتمتع بسمعة سيئة في السليـمـانية لأسلوبه الوقح والعدواني، وسمـعت ذلك في الطريق من سائق السيـارة، ولم يكن هنالك مجال للعودة، وكنت أحمل معي مسدساً معلقاً في حزامي تحت السترة، وقبل وصولنا النقطة بقليل سألتني أحدى الراكبات فيما اذا كنت قد أحمل سلاحاً ولما أجبتها بالأيجاب طلبت مني أن أناولها اياه دون ان أعرفها أو تعرفني، وأخفت قطعة السلاح تحت ملابسها، ولما أوقـفنا الجنود فى النقطة المذكـورة ظهر ضابط الصف المذكور وتوجه نحو السيارة بكل غرور وعنجهية، وكنت الرجل الوحيد في السيارة عدا سائقها فبادرني، بالسؤال بأنه لم يرني سابقأ في السليمانية وطلب مني هويتي فأريته اياها وكنت أحمل معي هوية نقابة المحامين، كما كنت أحمل معي وثيقة عدم تعرض من الحاكم العسكري العام دون ابرازها، ولما أراد اجراء التفتيش معي رفضت ذلك وقلت بأنني أحمل رسالة شـخصيـة من البارزاني الى رئيس الوزراء فطلب مني مرافقته لمقابلة آمر الفوج المرابط هناك، فسرت مسافة مائة متر تقريباً ووصلت مقر آمر الفوج ولما دخلت عليه رأيته ضابطاً شاباً برتبة مقدم ركن ولا أذكر اسمه، ولما أفهمته الموضوع وعرفته بنفسي، ابدى منتهى الاحترام والمجاملة وبعد أن اجلسني وتناولت الشاي ودعني ورافقني الى خارج المبنى، وأرسل معي أحد الجنود لأن ضابط الصف المسؤول كان قد غادر واختفى، وهكذا واصلنا سفرنا بعد تأخير أكثر من ربع ساعة، ثم ناولتني المرأة قطعة السلاح العائدة لي، وعند تركنا المنطقة الكوردية لم نشاهد نقاط سيطرة كثيرة وكانت فيما اذا وجدت لم يوقفنا أحد.

وبعد وصولي بغداد ذهبت الى محل اقامتي في أحد الفنادق وفي صباح اليوم التالي اتصلت تليفونياً بديوان مجلس الوزراء، وبعد أن شرحت مهمتي حدد لي موعد في نفس اليوم لمقابلة رئيس الوزراء، وعند ذهابي في الموعـد المحدد لاقيت متصرف السليمانية وهو يخرج من المكتب الخاص لرئيس الوزراء وتبادلنا التحيات وقال ضاحكا: بأنه سلم مذكرتنا الى رئيس الوزراء.

ولما دخلت على الفريق طاهر يحيى وجدت مذكرتنا أمامه على مكتبه فأبدى نوعاً من التذمر عل تلك المطاليب، وقال بأنه يبذل جهوده لحل المشاكل المعلقة، وفهمت منه أنه رجل مسالم وحريص على استمرار الهدنة بيننا، ولكن في نفس الوقت ادركت بأن عقلية عـبـدالسلام عـارف ونظرته العنصرية الى الشعب الكوردي وعـدم ايمان النظام بصورة عامة بأي حق لهذا الشعب يحول دون أتخاذ أية خطوات ايجابية، وبدأ رئيس الوزراء يلوم الوضع ويشكو من عدم وجود أي شخص يعاونه فيما يتعلق بالمشكلة الكوردية وقال: أنه بـحاجة الى عنصر شاب ونشط لكي يكون حلقة وصل بينه وين البارزاني، وأن يكون جاهزاً دوماً لنقل وجهة نظر الطرفين الى بعضهما بصدق بدل أن يقضي جل وقته في الفندق دون التحرك، وفهمت مايقصده من ذلك، ثم وجه الكلام لي ثانيةً وسألني أن كان من الممكن اشتراكي معهم في الوزارة فأجبته بأن عـليه أن يسأل البارزاني، فأني أئتمر بأوامره واذا كان يريدني ناجحاً في عملي فيجب الحصول على موافقة البارزاني، وبعد مغادرتي مجلس الوزراء ذهبت لملاقاة السيد يدالله كريم الذي كان مسؤولاً للفرع الخامس للحزب في بغـداد واطلعته على مادار في الاجتماع، ولم يعر كلانا اهتماماً بالموضوع وبعد يومين عدت الى رانية ولكن هذه المرة عن طريق أربيل، وصـادفت في نفس الفندق الذي كنت أقيم فيه أبن عمي ابراهيم رحمان آغا وكان يعود ايضاً الى اربيل فرجعنا سوية، وصادف أن وصلنا مركز ناحية قوشتبه بعد غروب الشمس فأوقفتنا الشرطة، وكان السفر بين المدن ممنوعاً بعد الغروب ولما حاولت افهامهم بضرورة سفري رفضوا ذلك فأتصلت تلفونيا بمدير الشرطة وكان عقيد الشرطة المرحوم بشير أحمد السلمان وكان رجلاً طيباً ومسالماً وكنت أعرفه منذ أن كان ضابط للشرطة في أربيل. وقد أمرهم بفتح الطريق لي وقد أغتيل بشير أحمد السلمان سنة1973  بعد أن أحيل على التقاعد في داره في حي الشرطة ببغداد مع زوجته وابنهما الوحيد أحمد بطريقة بشعة على يد ماسمي في حينه بعصابة (أبي الطبر). وبعد قضاء يومين أو ثلاثة في أربيل عدت الى مقـر عملي في رانية واطلعت المسؤولين على تفـاصـيل زيارتي كما وأطلعت البـارزاني على مادار من حديث مع رئيس الوزراء، وثم باشــرت بعـملي كالعتاد.

 

قد يعجبك ايضا