نيجيرفان بارزاني… حين يكون الحوار طريقاً وحيداً للسلام

عرفان الداوودي

في لحظاتٍ مفصلية من تاريخ العراق، لا يُقاس الحضور السياسي بكثرة التصريحات، بل بقدرة صاحبه على تهدئة العواصف وفتح الأبواب المغلقة. هكذا يظهر نيجيرفان بارزاني في كل محطةٍ حساسة، رجلًا لا يحمل معه إلى بغداد ملفات نزاع، بل مفاتيح حلول.

لم تكن زيارته إلى بغداد رحلةً بروتوكولية لمناقشة خلافاتٍ تقليدية بين المركز والإقليم، بل تجسيداً لفلسفة راسخة يؤمن بها: أن ما يجمع العراقيين أكبر من أي خلاف، وأن “مشكلة نيه” ليست مجرد عبارة، بل منهج سياسي يقوم على نزع فتيل الأزمات قبل اشتعالها. إنه إيمان عميق بأن الحوار ليس خياراً، بل قدرٌ لا بد منه.

لقد أدركت القوى السياسية العراقية، بمختلف توجهاتها، أن حضور بارزاني في هذا التوقيت ليس تفصيلاً عابراً. فالرجل الذي راكم خبرة طويلة في إدارة التوازنات المعقدة، جاء ليكون جزءاً من الحل، لا شاهداً على الأزمة. ومنذ اللحظة الأولى لوصوله، بدا واضحاً أن أجندته تتجاوز حسابات المناصب وتقسيم الحصص، لتلامس جوهر العملية السياسية: بناء شراكة حقيقية قائمة على الثقة والالتزام.

تنقل بين القيادات، والتقى برموز المشهد السياسي، من نوري المالكي إلى محمد شياع السوداني وعمار الحكيم، وصولاً إلى رئيس الحكومة المكلف، حاملاً رؤية واضحة: أن استقرار العراق يبدأ من التفاهم، وأن نجاح الحكومة الاتحادية لا ينفصل عن نجاح إقليم كوردستان. كانت لغة الجسد في تلك اللقاءات أبلغ من الكلمات، إذ عكست ارتياحاً متبادلاً وثقةً بشخصٍ اعتاد أن يحوّل التعقيد إلى فرص.

لم يتحدث عن حقوق الكورد بوصفها امتيازاً، بل أكدها كاستحقاق دستوري وشراكة وطنية. وهذه النقطة تحديداً تمثل جوهر مشروعه السياسي: عراقٌ يتسع للجميع، تُصان فيه الحقوق عبر التوافق لا الصراع، وتُبنى فيه الدولة على أساس الالتزام لا الغلبة.

وفي عمق هذه الزيارة، تتجلى رسالة أبعد من تشكيل حكومة جديدة؛ رسالة مفادها أن العراق بحاجة إلى جسور، لا جدران. وأن تجربة إقليم كوردستان، بما حملته من استقرار نسبي وتنمية، يمكن أن تكون جزءاً من الحل الوطني الشامل، لا حالة منفصلة عنه.

في ليل بغداد، وبين أزقة الكرخ والرصافة، لا يبدو بارزاني مجرد ضيفٍ سياسي، بل صاحب حلمٍ يتكرر في كل زيارة: أن يرى العاصمة العراقية كما ينبغي لها أن تكون، مدينةً تليق بتاريخها وتنوعها، وتنافس كبريات الحواضر في العمران والاستقرار.

إن طريق نيجيرفان بارزاني واضح المعالم: سلامٌ يُبنى بالحوار، وشراكةٌ تُصان بالثقة، ودولةٌ لا تقوم إلا بتكاتف جميع أبنائها. وفي زمنٍ تكثر فيه الأزمات، يظل حضوره تذكيراً بأن الحلول تبدأ دائماً من كلمة صادقة… ومن إرادةٍ لا تعرف اليأس .

قد يعجبك ايضا