نجاح هيفو
في ظل التحولات السياسية العميقة التي تشهدها سوريا بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، لم يعد الحديث عن السلام يقتصر على الاتفاقات السياسية أو التفاهمات العسكرية بين القوى المتصارعة، بل أصبح من الضروري الانتقال إلى مفهوم أكثر عمقًا واستدامة يتمثل في بناء السلام المجتمعي بوصفه حجر الأساس لأي مستقبل سوري مستقر وعادل. لقد أثبتت السنوات الماضية أن غياب العدالة، وتفكك النسيج الاجتماعي، وتهميش فئات واسعة من المجتمع، كانت من بين الأسباب التي ساهمت في إطالة أمد الصراع وتعميق جراحه. لذلك فإن أي مقاربة واقعية لمستقبل سوريا يجب أن تنطلق من المجتمع السوري نفسه، بكل تنوعه القومي والديني والثقافي والسياسي، باعتباره الشريك الحقيقي في صناعة السلام.
إن سوريا ليست مجتمعًا أحاديًا، بل هي فسيفساء غنية تضم العرب والكرد والسريان والآشوريين والتركمان والأرمن والشركس، إلى جانب مكونات دينية ومذهبية متعددة شكلت عبر التاريخ مصدر غنى حضاري وإنساني. إلا أن الحرب ساهمت في تعميق الانقسامات، وأنتجت خطابًا قائمًا على الخوف والشك المتبادل، كما غذّت سياسات الإقصاء والتمييز. ومن هنا، فإن بناء السلام المجتمعي يتطلب أولًا الاعتراف المتبادل بين جميع المكونات بحق كل طرف في الوجود والهوية والمشاركة السياسية العادلة، بعيدًا عن منطق الأغلبية والأقلية، أو الهيمنة والاستبعاد.
ولا يمكن الحديث عن سلام مستدام دون معالجة ملف العدالة الانتقالية، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا في المجتمع السوري. فآلاف العائلات ما تزال تنتظر معرفة مصير أبنائها المفقودين، وآلاف الضحايا ينتظرون مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات. لكن العدالة المطلوبة ليست عدالة انتقامية، بل عدالة قائمة على المحاسبة القانونية، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، ومنع تكرار الانتهاكات. إن تجاهل هذه الملفات سيؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة.
كما أن المرأة السورية يجب أن تكون في قلب عملية بناء السلام، لا على هامشها. فقد لعبت النساء خلال سنوات الحرب أدوارًا جوهرية في حماية أسرهن، وإدارة المجتمعات المحلية، والعمل الإنساني، والحفاظ على التماسك الاجتماعي. ومع ذلك، ما تزال مشاركتهن السياسية وصنع القرار دون المستوى المطلوب. إن أي مشروع سلام حقيقي لا يضمن مشاركة النساء والشباب والنازحين واللاجئين والمجتمع المدني سيكون مشروعًا ناقصًا وغير قادر على الاستمرار.
ويشكل الاقتصاد عاملًا محوريًا في تحقيق الاستقرار المجتمعي، إذ لا يمكن مطالبة المجتمعات بالتسامح بينما تعيش تحت وطأة الفقر والبطالة وغياب الخدمات الأساسية. لذلك ينبغي ربط جهود السلام المجتمعي بخطط تنموية حقيقية تعيد للناس كرامتهم وفرصهم في الحياة، خاصة في المناطق الأكثر تضررًا.
كما أن المجتمع الدولي والدول الإقليمية تتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية في دعم مسار السلام السوري بعيدًا عن المصالح الضيقة والتجاذبات الجيوسياسية. المطلوب اليوم دعم مبادرات الحوار المحلي، وتمكين المؤسسات المدنية، وتشجيع مشاريع المصالحة المجتمعية التي يقودها السوريون أنفسهم.
إن بناء السلام في سوريا ليس مسارًا سياسيًا مؤقتًا، بل مسؤولية تاريخية تتطلب شجاعة أخلاقية، وإرادة سياسية، ووعيًا مجتمعيًا جديدًا يؤمن بأن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء أو الثأر أو إنكار الآخر. سوريا الجديدة لن تُبنى إلا عبر عقد اجتماعي جديد يعترف بالجميع، ويمنح الجميع مكانًا متساويًا في وطن يتسع لكل أبنائه. السلام الحقيقي يبدأ عندما يشعر كل سوري، مهما كانت هويته أو انتماؤه، بأنه شريك كامل في وطن آمن وعادل ومستقر.