كتابة و اعداد / دلزار اسماعيل رسول
كل منا يحتاج وقفة مع الذات ، ينظر لما قدمه في حياته و ما ينتظره في مقتبل أيامه ، و مثالبه و محاسنه في سالف ما تركه من سويعاته، فينظر نظرة متأمل و يقف هنيهة مع نفسه سواء أكان في مكتبه أو في بيته أو في قريته ، و يعيد صياغة نفسه تبعاً لذلك ، و حينما نقرأ كتابا فأننا نحاول الاجابة عن أسئلة تدور في أرواحنا و قد نلقى الاجابة عنها في كتاب قد نقرأه صدفة ، بينما نبعثر الكتب الموجودة تحت أيدينا ، و نلقى الاجوبة في صفحات ذاك الكتاب أو تلك…وهذا ما حدث مع كتاب البحث عن الذات للرئيس المصري الراحل (محمد أنور السادات)
فأثناء قراءته تلاحظ رحلة ذلك الرجل في أغوار نفسه من بداية طفولته حتى بلوغه لارقى مرحلة قد يصل اليها أو يحلم بالوصول اليها ، و ما خالج فؤاده من صغره حتى كبره…
في “نيسان” من عام 1978، لم يكن الرئيس الراحل محمد أنور السادات يقدّم مجرد كتاب يسرد مذكراته الشخصية، بل كان يضع بين يدي القارئ وثيقة إنسانية وسياسية تحت عنوان “البحث عن الذات”. هذا الكتاب الذي تجاوز كونه سيرة ذاتية لرئيس دولة، ليصبح رحلة فلسفية في أعماق النفس البشرية، وكيف يمكن للفرد أن يعيد صياغة قدره وقدر أمته من وراء قضبان الزنزانة وصولاً إلى سدة الحكم.
من طمي القرية إلى صخب التاريخ
يبدأ السادات مقالته الطويلة في “البحث عن الذات” بالعودة إلى الجذور، إلى قرية “ميت أبو الكوم”. هناك، وسط الحقول، تشكلت النواة الأولى لوعيه. يصف السادات ارتباطه بالأرض ليس كمجرد مكان للعيش، بل كمصدر للصمود والنقاء. ومن هذه البساطة الريفية، ننتقل معه إلى تعقيدات القاهرة والجيش، حيث بدأت ملامح الثائر والسياسي في التبلور، مدفوعةً برغبة جامحة في تحرير الوطن من التبعية والاحتلال.
الزنزانة.. مختبر الذات الأكبر
لعل أجمل وأعمق فصول الكتاب هي تلك التي يتحدث فيها عن تجربته في السجن. فبينما يرى البعض السجن قيداً، رآه السادات “خلوة مع النفس”. يروي كيف استطاع في سجن “قارة ميدان” أن يهزم الخوف واليأس، مؤكداً أن الإنسان لا يستطيع أن يغير ما حوله ما لم يغير ما بنهجه أولاً. في تلك العزلة، اكتشف السادات “ذاته” الحقيقية، وهي القوة التي استند إليها لاحقاً في اتخاذ قراراته الكبرى التي غيرت وجه الشرق الأوسط.
دراما السلطة والقرار
ينتقل بنا الكتاب إلى كواليس الحكم بعد رحيل جمال عبد الناصر في “تشرين الأول” 1970. يصور السادات تلك المرحلة ببراعة، واصفاً التحديات التي واجهته لإثبات وجوده وسط صراعات “مراكز القوى”. ثم يأتي الفصل الأهم: حرب “تشرين الأول” 1973. لا يسرد السادات هنا الخطط العسكرية فحسب، بل يصف الحالة النفسية للقائد الذي يحمل عبء كرامة شعب على كتفيه، وصولاً إلى مبادرة السلام التي اعتبرها امتداداً لشجاعته في الحرب.
الفلسفة وراء العنوان
إن “البحث عن الذات” ليس مجرد عنوان، بل هو منهج. أراد السادات أن يقول من خلال صفحاته إن السياسة ليست مجرد مناورات، بل هي رؤية تنبع من إيمان داخلي عميق. الكتاب دعوة لكل إنسان بأن يبحث عن حقيقته قبل أن يشرع في معاركه الخارجية.
يبقى كتاب “البحث عن الذات” علامة فارقة في أدب السيرة الذاتية العربية. فهو يجمع بين لغة القصة المشوقة وبين التحليل السياسي الثاقب. واليوم، وبعد مرور عقود على صدوره، لا يزال الكتاب قادراً على إثارة الجدل والإعجاب في آن واحد، مذكراً إيانا بأن أعظم الانتصارات هي تلك التي يحققها المرء في صراعه مع نفسه من أجل الوصول إلى “الذات” التي لا تنكسر.
الكتاب ليس مجرد سرد للأحداث التاريخية، بل هو محاولة من السادات لشرح دوافعه النفسية والإيمانية. هو يرى أن “النصر الحقيقي” يبدأ من انتصار الإنسان على نفسه وفهم ذاته أولاً.
و يعلمنا بأن الخلوة القسرية هي “رحلة البحث عن الذات” الحقيقية، حيث استطاع فيها مراجعة أفكاره وبناء صلابته النفسية.
لذلك هي دعوة لكل إنسان واجه تهميشه قسرا، و سجنه ظلماً ، بأن ذلك مرحلة مؤقتة لكي يتزود بالقوى الروحية لكي يعيد مواجه الحياة بصعابها و مشاقها و يدخل غمارها من جديد بحلة جديدة و قوة أشد…