حصر السلاح بيد الدولة – ترسيخ لددولة قوية وحفظ السيادة الوطنية

نهاد الحديثي

تعهد الزيدي منذ تسلّمه منصبه بحصر السلاح بيد الدولة، معتبرا أن ذلك “ينسجم مع الدستور والقانون ويعزز سلطة الدولة، ويسهم في دعم الأمن والاستقرار وترسيخ مشروع الدولة العراقية القوية القادرة على تحقيق تطلعات مواطنيها,, ويأتي ذلك، في ظل متغيرات إقليمية أثرت على العراق، أبرزها تراجع نفوذ إيران عقب الحروب التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة , ويواجه العراق استحقاقا أمنيا وسياسيا مفصليا بعد قرار الإطار التنسيقي (الائتلاف الحاكم) تأييد حصر السلاح بيد الدولة وفك ارتباط الحشد الشعبي بالأطر السياسية. ولا يبدو هذا القرار مجرد إجراء تنظيمي، بل هو محاولة إستراتيجية مدعومة بغطاء سياسي وقانوني شامل، تهدف إلى نقل البلاد من شرعية السلاح إلى شرعية التنمية
حذر محللون من أن بقاء السلاح خارج سيطرة الدولة قد يشرعن “الضربات المجهولة ” من قبل إسرائيل أو واشنطن، خاصة بعد قيام الأخيرة برصد مكافآت مالية ضخمة (تصل إلى 10 ملايين دولار) مقابل معلومات عن قيادات في فصائل ترفض تسليم سلاحها. هذه الخطوة الأمريكية تعني أن تلك الفصائل باتت في مرمى النيران الدولية، مما يهدد السيادة الوطنية التي ترفع شعارها ,, ويشير محللون انه على الدولة انن لاتكتفي بحص سلاح الفصائل فحسب، بل لفتوا إلى تحديات اجتماعية واقتصادية أعمق؛ حيث أكد أن السلاح المنفلت لا يتوقف عند حدود الفصائل المسلحة، بل يمتد إلى سلاح العشائر، والأخطر من ذلك هو السلاح الذي يملكه تجار السلاح الذين يقتاتون على عمليات البيع والشراء خارج إطار القانون
ملف حصر السلاح بيد الدولة أحد أعلى الملفات حساسية في البلاد,,وظلّت الحكومات العراقية المتعاقبة تواجه إشكالية «ازدواجية القرار» بين مؤسسات الدولة الرسمية، وفصائل مسلحة تتمتع في الوقت نفسه بغطاء مؤسساتي وانتماءات عقائدية وسياسية,, من يتأمل مسار الحكومات العراقية منذ 2003، يجد نمطا ثابتا يثير القلق: كل رئيس وزراء أعلن نيته تنظيم انتشار السلاح خارج المؤسسة الرسمية، وكل واحد منهم وجد نفسه في نهاية المطاف يتفاوض على هامش الهامش, المالكي الذي بنى قوات مكافحة الإرهاب أداةً خاصة، والعبادي الذي حاول بعد هزيمة داعش ترتيب وضع الحشد الشعبي، والكاظمي الذي أعلن صراحةً مشروع حصر السلاح ثم واجه هجمات صاروخية على مقر إقامته,,ألآ ان الزيدي عمل على انجاز مشروع تنفيذي » لنزع سلاح الفصائل المسلحة، تمهيداً لعرضه على واشنطن، وسط ضغوط أميركية متصاعدة لإبعاد الميليشيات عن الحكومة الجديدة ومفاصل الدولة,, وتشمل الخطة نزع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة وإعادة هيكلة «الحشد الشعبي» بالتزامن مع تغييرات مرتقبة في أجهزة أمنية حساسة، قد تشمل جهاز المخابرات
اعلن رئيس الحكومة العراقية، علي الزيدي، إنجاز الخطة المخصصة لتسلم سلاح «سرايا السلام»؛ الفصيل التابع لـ«التيار الصدري»، مشيراً إلى أن حركة «عصائب أهل الحق» التابعة لقيس الخزعلي، أحد قادة «الإطار التنسيقي» الحاكم، «سوف تسلم سلاحها أيضاً,وأضاف الزيدي، خلال لقائه مجموعة من الصحافيين، أن الحكومة لن تسمح لأي جهة بامتلاك السلاح خارج إطار الدولة، وأن احتكار السلاح واستخدام القوة سيكونان بـ«يد الدولة حصراً ,, وتشير معطيات سياسية متداولة في بغداد إلى أن 5 فصائل مسلحة تعتزم بدء تسليم سلاحها في 4 يونيو (حزيران) المقبل، في خطوة لا تزال تفاصيلها وآليات تنفيذها غير واضحة، في ظل غياب إعلان رسمي عن لجنة مشتركة أو برنامج حكومي مفصل لعملية «حصر السلاح بيد الدولة , ملف حصر السلاح هو الاختبار المبكر لحكومة الزيدي. ليس لأنه الملف الوحيد أو الأكثر إلحاحا، بل لأنه الملف الذي يكشف بوضوح ما إذا كانت الدولة ستُدار بمنطق المؤسسات أو ستستمر في العمل بمنطق التوازنات,, مشروع الحصر ليس ملفا أمنيا بمعناه الضيق، بل معركة سياسية ومؤسساتية تحدد شكل الدولة العراقية المقبلة. هل العراق دولة تحتكر فيها الحكومة المنتخبة الشرعية الكاملة لاستخدام القوة كما ينص الدستور أم فضاء سياسي تتعايش فيه مرجعيات مسلحة متعددة تستمد شرعيتها من مصادر مختلفة؟ الإجابة ستحدد طبيعة العراق لعقد قادم على الأقل
التوازنات الإقليمية المتغيرة وإمكانية التفاهم الأميركي – الإيراني أفرزت ضغطاً ضمنياً على الفصائل نحو تقنين نشاطها وتخفيض وتيرة الاستعراض العسكري، بحسب محللين يتابعون المشهد. وكانت واشنطن قد ركّزت ضغوطها على الفصائل المتهمة باستهداف مصالحها وقواعدها في العراق عبر الصواريخ والمسيّرات تحت لافتة “المقاومة الإسلامية”، ما دفعها إلى إيقاف إكمال الكابينة الوزارية ورفض منح أي حقائب لأحزاب تمتلك أجنحة مسلحة,,وهذا الضغط هو ما دفع تلك الجماعات إلى إعلان استعدادها اللين لنزع السلاح طمعاً في المقاعد الوزارية، قوى الإطار التنسيقي باتت تفهم بوضوح أن المعادلة القادمة يجب أن تُصاغ بعيداً عن النفوذ الإيراني وبعيداً عن “سلاح المقاومة”، وهو المسار الذي طالبت به المرجعية الدينية العليا مبكراً في تشرين الأول 2024 حين شددت على حصر السلاح ومكافحة الفساد,, ومع مطلع عام 2026، تبدلت المواقف تدريجياً بإعلان قيس الخزعلي، وأبو آلاء الولائي، وحيدر الغراوي (أنصار الله الأوفياء)، وشبل الزيدي (كتائب الإمام علي) الاستعداد لنزع السلاح، بالتزامن مع مبادرة الصدر بفك ارتباط “سرايا السلام”، والتي حظيت بترحيب حكومي فوري ودعوة البقية إلى أخذ المسار ذاته
إيران التي تُفاوض على رفع العقوبات وتُعيد حساباتها الإقليمية في ضوء ما أصابها من إنهاك، قد لا تكون في أفضل مرحلة لتحمّل عبء فصائل تُربك المشهد الذي تحاول طهران إدارته في المفاوضات. وهذه المعادلة إذا صحّت، تمنح الزيدي فرصةً لم تتوفر لأسلافه – فرصة أن يجد مقتضيات الحسابات الإقليمية تسير في اتجاه مشروعه الداخلي لا عكسه,, واشنطن تضغط في اتجاه فك الارتباط الإستراتيجي بين الإطار الشيعي والقيادة الإيرانية، مقابل علاقات عراقية – أميركية أكثر دفئاً. لكن العراق ليس بلداً يُدار بأوامر خارجية، ومحاولة قراءته بهذه البساطة أفضت تاريخياً إلى سوء تقدير مُكلف. ما يحتاجه الزيدي ليس قرارا تفاوضيا بين واشنطن وطهران يُمرَّر عبر بغداد، بل توافق وطني يمنح العراقيين أنفسهم سببا للوقوف خلف مشروع الدولة
الحكومة عازمة على المضي بمشروع حصر السلاح بيد الدولة,, وتعزيز قوة العراق وسيادته,, فرض القانون وتعزيز هيبة الدولة يشكلان الأساس لأي استقرار سياسي وأمني واقتصادي,, حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد, يعني بناء دولة حديثة ومستقرة,,وتعزز المؤسسات الوطنية، بما يحقق الأمن والاستقرار والسيادة للعراق وشعبه.

قد يعجبك ايضا