ليس كلُّ مرةٍ تسلم الجرة

ياسين الحديدي

ليس المقياس الحقيقي في المضايف أو في تقديم الولاءات خلال المناسبات الاجتماعية، فهذه أعراف متوارثة لم تكن يومًا بهذا القدر من الحدة والتنافس وفرض الحضور. إنها في كثير من الأحيان مجرد شكليات سطحية لا تُبنى عليها العلاقات الصادقة والتفاعلات السليمة القائمة على النوايا الحسنة والالتزام الحقيقي.

إلى سياسيّي السُّنة ومن يدور في فلكهم من المطبلين والمزمرين:

إلى متى تظنون أنكم قادرون على خداع مكوّنكم الاجتماعي؟ وإلى متى تدّعون وصلاً بليلى وليلى بالعراق مريضة؟ أما آن لكم أن تدركوا أن التاريخ لا يرحم، وأن حبل الكذب قصير، وأن وعودكم لم تكن سوى ذرٍّ للرماد في العيون؟

لقد بلغت خلافاتكم وتناحركم وصراعاتكم على المصالح والمنافع عنان السماء، وتوزعت ولاءاتكم بين هذا الطرف وذاك، بينما غاب عنكم الولاء لأهلكم ومدنكم وناخبيكم الذين انخدعوا بكم وما زال بعضهم يسير على النهج نفسه. ولا أدري متى يستفيقون من هذا الحلم الطويل.

لقد أزكمتم الأنوف وصدّعتم الرؤوس بوعود وأحاديث تُستدعى عند الحاجة كالمسكنات المؤقتة. ومن أعظم الابتلاءات أن يفقد الإنسان عقله فيسلّمه إلى من هو أشد منه فقدانًا له.

إلى متى نبقى نجرّ الخيبة ونعيش الخيبات معكم؟ تتزاحمون على الكراسي والمناصب والنفوذ والزعامات الفارغة، بينما نقف نحن في ظلال الجدران نلوذ بالصبر، وأنتم تنعمون في أبراجكم العاجية.

وفي كل مرة نعود إلى الحقيقة المؤلمة: نحن من أوصلكم، ونحن من صنع منكم ما أنتم عليه اليوم. لقد ساهمت العصبيات القبلية والمناطقية في ترسيخ هذا الواقع، حيث تسعى كل عشيرة إلى فرض إرادتها على الجميع، فتضيع المصلحة العامة بين الحسابات الضيقة.

بحّت أصواتنا في مناشدتكم، ولم نسمع منكم كلمةً مؤثرةً أو موقفًا شجاعًا داخل مجلس النواب أو في النقاشات العامة التي تمس هموم الناس وقضاياهم.

إلى متى تبقون توابع لكتلٍ تكشفت حقائقها في فضائح المصافي، وفي تسخير الأموال المنهوبة لتغطية نفقات الحملات الانتخابية، وتوزيعها على المرشحين، بل ووصل الأمر إلى شراء التسلسلات المتقدمة في القوائم الانتخابية؟ ثم جاءت فضيحة طائرات F-16 وما أُثير حول الدور المحوري لبعض قادة الكتل فيها.

لقد شيدتم بيوتكم وقصوركم على حساب الناخبين، وأفرطتم في إطلاق الوعود الهلامية، وتنعمتم بالخيرات بينما بقي المواطن يعاني. لم تكونوا أصحاب قرار مستقل، ولم تمثلوا إرادة جمهوركم، بل بقيتم أسرى التبعية لمن أغدق عليكم العطاء، في الداخل والخارج.

ورحم الله امرأً جبَّ الذمَّ عن نفسه.

ليس كل مرة تسلم الجرة

في قديم الزمان كانت امرأة تسير في طريق متعرج مليء بالحجارة والحفر، وتحمل في يدها جرة من الفخار. تعثرت بحجر وسقطت على الأرض، ولحسن الحظ لم تنكسر الجرة. نهضت المرأة وأكملت طريقها وكأن شيئًا لم يكن.

شاهدها شيخ كبير كان جالسًا تحت شجرة، فناداها قائلاً: “ليس كل مرة تسلم الجرة”.

كانت نصيحته دعوةً للحذر والانتباه، وألا تعتمد على حسن الحظ في كل مرة. وعندما عادت المرأة إلى بيتها روت القصة لزوجها وأبنائها وجاراتها، فأصبحت العبارة مثلًا عربيًا مشهورًا يُضرب للتنبيه إلى أن النجاة من الخطأ مرةً لا تعني تكراره دون عواقب، وأن المغامرة الناجحة لا تضمن النتيجة نفسها دائمًا.

هل تعلمون ما مشكلتنا الحقيقية؟

مشكلتنا أننا كثيرًا ما نتعامل مع الأشخاص والأحداث بمنطق المنفعة. نمدح عندما تتحقق مصالحنا، ونذم عندما تتعارض مع رغباتنا. وحتى المستفيدون من الخير يتصارعون فيما بينهم للاستحواذ على المزيد من المناصب والنفوذ والتقرب من أصحاب القرار، ومن بينهم تتسرب الأخبار إيجابًا وسلبًا.

لقد قيل بحق:

“تفسد قلوب الأتباع بالمذلة والهوان، وتفسد قلوب المتبوعين بالأنانية والكبرياء.”

ويبدو أن العدّ التنازلي لمحاسبة الفساد والفاسدين قد بدأ، وإن كان على نار هادئة.

قد يعجبك ايضا