الدولار لا يتوقف… لكنه يحكم العراق

فينوس بابان

في لحظة سياسية حساسة يمر بها العراق لم يعد الحديث عن تجميد جزء من عائداته النفطية مجرد خبر اقتصادي عابر بل تحول إلى مؤشر عميق على طبيعة المرحلة القادمة حيث تتداخل الأدوات المالية مع الحسابات السياسية لإعادة رسم ملامح المشهد الداخلي، ما كشفته صحيفة The Wall Street Journal بشأن تجميد نحو 500 مليون دولار من أموال العراق لدى Federal Reserve ، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع يتجاوز الأرقام إلى الرسائل ويتخطى الاقتصاد إلى إعادة ضبط التوازنات.
هذه الأموال التي تمثل جزءاً من عائدات النفط العراقي المودعة في النظام المالي الأمريكي منذ عام 2003 لطالما كانت تحت رقابة دقيقة لكن الانتقال من الرقابة إلى التجميد الجزئي يعكس تحوّلاً في طبيعة التعاطي الأمريكي مع بغداد، فالولايات المتحدة لا تستخدم هنا أداة تقليدية من أدوات الضغط، بل تلجأ إلى ما يمكن تسميته بـ إدارة الإيقاع المالي، حيث لا يتم قطع التدفق بشكل كامل بل التحكم به بما يكفي لإرسال رسالة دون الوصول إلى مرحلة الانفجار.
الرسالة في جوهرها ليست مالية بحتة بل سياسية بامتياز، فالتوقيت يتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية ومع مرحلة دقيقة من إعادة ترتيب البيت السياسي العراقي ما يجعل من هذا الإجراء أقرب إلى إشارة إنذار منه إلى عقوبة شاملة، في هذا السياق يتحول الدولار من وسيلة تبادل إلى أداة تأثير ومن عنصر استقرار إلى ورقة تفاوض تُستخدم لضبط سلوك الفاعلين داخل العراق دون مواجهة مباشرة.
اقتصادياً، لا يشكل الرقم المعلن أزمة فورية بحجم الاقتصاد العراقي لكنه يحمل تأثيراً نفسياً وسوقياً أكبر من قيمته الرقمية، فمجرد الحديث عن تجميد أموال ينعكس سريعاً على ثقة السوق ويضع ضغوطاً على سعر الصرف ويدفع نحو سلوك احترازي من قبل التجار والمصارف، هذه التداعيات وإن بدت محدودة في بدايتها إلا أنها قابلة للتوسع إذا ما تحولت الإجراءات المؤقتة إلى مسار مستمر.
لكن ما هو أعمق من ذلك هو التحول التدريجي في آلية إدارة الدولار داخل العراق، فالتقارير الاقتصادية تشير إلى أن أي اضطراب في شحنات العملة النقدية قد يعيد أزمة سعر الصرف إلى الواجهة ليس بشكل نظري بل عبر مسارات عملية تبدأ من استنزاف احتياطي البنك المركزي حيث يُستخدم لتغطية احتياجات السفر والعلاج والدراسة ما يؤدي إلى تآكله تدريجياً تحت ضغط الطلب.
ومع استمرار هذا المسار يصبح السوق الموازي هو المرجع الفعلي لتسعير الدولار ومع ارتفاع الطلب غير المباشر على العملة الصعبة، نتيجة تحويل بعض المدفوعات إلى الدينار تتولد حلقة ضغط جديدة تعيد دفع سعر الصرف نحو الارتفاع بشكل تدريجي ومتسلسل لا دفعة واحدة.
وتشير التحليلات الاقتصادية أيضاً إلى سيناريو أكثر حساسية يتمثل في احتمال تشديد القيود على نظام الحوالات المالية العراقي بشكل أوسع في هذه الحالة لا يكون التأثير مجرد ضغط على السيولة، بل دخول النظام المالي في حالة اختناق جزئي، ما يضع الحكومة أمام تحديات معقدة تتعلق بقدرتها على إدارة التزاماتها الداخلية والخارجية في آن واحد.
هذا البعد المالي لا يمكن فصله عن البنية الأمنية أيضاً، فتعليق أو تقليص برامج التعاون الأمني كما أشارت إليه The Wall Street Journal لا ينعكس فقط على التدريب والدعم بل على منظومة الجاهزية والتنسيق الاستخباراتي ما يخلق فراغاً زمنياً في بعض القدرات التشغيلية ويجعل الأمن جزءاً غير مباشر من معادلة الضغط السياسي والاقتصادي.

أما على المستوى المعيشي، فإن التأثير الحقيقي لا يظهر في القرار نفسه بل في التوقعات التي يخلقها داخل السوق، فالعراق اقتصاد شديد الحساسية تجاه إشارات الدولار وأي حديث عن نقص أو تقييد يؤدي إلى سلوك احترازي فوري يتمثل في ارتفاع الطلب على العملة الصعبة وارتفاع الأسعار تدريجياً وهو ما ينعكس مباشرة على حياة المواطن اليومية خصوصاً في ظل اعتماد كبير على الاستيراد.
وفي قلب هذه المعادلة لا يظهر الفاعلون المحليون كأطراف ضعيفة بل كجزء من منظومة تفاوضية معقدة، فالقوى السياسية العراقية رغم تبايناتها تدرك أن إدارة العلاقة مع النظام المالي الدولي أصبحت جزءاً من إدارة الدولة نفسها وأن الاقتصاد لم يعد منفصلاً عن السياسة بل أصبح أحد أدواتها.
وفي هذا السياق يبرز إقليم كوردستان كعنصر توازن داخل المشهد العراقي، لا كطرف ضعيف أو هامشي، فالإقليم بحكم تجربته في إدارة علاقاته الخارجية وانفتاحه الاقتصادي النسبي يمتلك قدرة على التحرك ضمن الهوامش المتاحة وإعادة التموضع داخل التوازنات المتغيرة وهنا لا يُقرأ دوره من زاوية التأثر فقط، بل من زاوية القدرة على التكيف واستثمار التحولات لتعزيز موقعه داخل المعادلة العراقية.
ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في قرار مالي أو إجراء تقني بل هو جزء من إعادة تعريف لطبيعة الدولة في بيئة دولية شديدة الترابط حيث تتحول السيولة إلى أداة نفوذ، ويصبح التحكم في التدفقات المالية وسيلة لإعادة ضبط السلوك السياسي دون مواجهة مباشرة.
وبينما تتداخل الأبعاد الاقتصادية والأمنية والمعيشية في مشهد واحد يبقى السؤال الأهم ليس حول حجم الأموال أو طبيعة الإجراءات بل حول من يمتلك القدرة على إدارة هذا التعقيد المتشابك دون فقدان التوازن الداخلي.
في النهاية، لا يبدو أن العراق يواجه أزمة مالية تقليدية بل مرحلة إعادة صياغة لموقعه داخل نظام عالمي تتحرك فيه القوة عبر القنوات المالية بقدر ما تتحرك عبر السياسة وبين الضغط والتكيف، تبقى المعادلة مفتوحة على احتمالات متعددة عنوانها الأهم، من يملك القدرة على تحويل قواعد اللعبة… إلى مساحة حركة بدل أن تكون حدوداً مغلقة.

قد يعجبك ايضا