محمد علي محيي الدين
وُلد إبراهيم بن الحاج عطوف بن الحاج محمد جعفر الربيعي ، المعروف بكَبّة، سنة 1919 في محلة الهيتاويين ببغداد، في أسرة عريقة استوطنت المدينة منذ العصر العباسي وتنتمي إلى قبيلة ربيعة. وكانت هذه الأسرة معروفة باهتمامها بالعلم والأدب والشعر والمعرفة إلى جانب نشاطها في التجارة، فتهيأت له منذ طفولته بيئة ثقافية واجتماعية جعلت من طلب العلم طريقاً طبيعياً لحياته. نشأ تحت رعاية والده الذي كان يعمل في تجارة الأقمشة، غير أن القدر لم يمهله طويلاً، إذ توفي الأب قبل أن يبلغ إبراهيم عامه العاشر، فانتقل مع والدته وإخوته إلى دار خاله الشيخ محمد مهدي كَبّة. وهناك تشكلت ملامح وعيه الأولى، إذ تأثر بأفكار خاله الذي كان له حضور سياسي في العهد الملكي، كما تأثر بأفكار الزعيم الوطني جعفر أبو التمن الذي كان يؤمن بحق الشعوب في تقرير مصيرها وبالدور الحيوي للنقابات المهنية في حماية مصالح العاملين فيها.
بدأ إبراهيم كَبّة تعليمه في المدارس البغدادية، فأنهى دراسته الابتدائية بين عامي 1925 و1931، ثم انتقل إلى متوسطة الشرقية، ومنها إلى الثانوية المركزية في الفرع الأدبي، حيث تخرج سنة 1937 متفوقاً على زملائه وكان ترتيبه الرابع على دفعته. وقد دل هذا التفوق المبكر على شخصية علمية واعدة، ما لبثت أن أكدت حضورها حين التحق بكلية الحقوق وتخرج فيها في الرابع من تشرين الأول سنة 1941 بدرجة الشرف الأولى. وبعد أيام قليلة انتمى إلى نقابة المحامين في الثالث عشر من الشهر نفسه، وبدأ ممارسة مهنة المحاماة التي وجد فيها مجالاً للدفاع عن القيم القانونية والعدالة الاجتماعية.
عمل بعد تخرجه في عدد من الوظائف الحكومية، فعُيّن مدققاً في مديرية ضريبة الدخل ببغداد في الثالث والعشرين من تشرين الثاني سنة 1941، ثم أصبح مراقباً للمصارف في العاشر من كانون الأول سنة 1942، وبعدها نُقل مخمناً في ضريبة دخل محافظة البصرة في الخامس من تموز سنة 1943. غير أن تنقلاته الإدارية السريعة لم تكن منسجمة مع تطلعاته العلمية، فحين صدر أمر نقله إلى كربلاء في الحادي عشر من الشهر نفسه للعمل مدققاً في الخزينة، رفض المباشرة احتجاجاً على تلك التنقلات المتعجلة، وفضّل الاستقالة والعودة إلى مهنة المحاماة التي استمر فيها حتى الثاني من تشرين الأول سنة 1944.

وفي عام 1945 سنحت له فرصة علمية مهمة عندما حصل على بعثة دراسية إلى مصر بعد أن رفعت وزارة المعارف مخصصات البعثات العلمية، وكان من شروطها أن يكون المتقدم متخرجاً بمرتبة الشرف الأولى أو الثانية. سافر إلى القاهرة والتحق بجامعة القاهرة، حيث نال في الخامس من تموز سنة 1947 الدبلوم العالي في الاقتصاد السياسي والقانون العام. وخلال تلك السنوات لم يكتف بالدراسة، بل عمل في جامعة الدول العربية في مجال الاقتصاد والقانون، ونال كتاب شكر من الجامعة تقديراً لخدماته المتميزة.
وفي العام نفسه اتجه إلى فرنسا مواصلاً دراساته العليا، فحصل سنة 1948 على دبلوم عالٍ في القانون العام من كلية الحقوق بجامعة باريس، ثم نال سنة 1951 دبلوم الدولة في الاقتصاد السياسي من جامعة مونبلييه بدرجة الامتياز الأولى. وهكذا عاد إلى بغداد سنة 1952 مزوداً بثقافة قانونية واقتصادية واسعة، جمعت بين التجربة الأكاديمية الأوروبية والوعي السياسي الذي تشكل في بيئة عربية مضطربة.
استقبلته وزارة المعارف بحفاوة للاستفادة من خبراته، فعُيّن أستاذاً في كلية التجارة والاقتصاد بجامعة بغداد، وظل يدرّس فيها حتى السادس والعشرين من تموز سنة 1953. وفي تلك المرحلة انخرط في الحياة الثقافية والفكرية، فشارك في تحرير مجلة الثقافة الجديدة سنة 1953، وهي مجلة كانت تمثل منبراً مهماً للمثقفين التقدميين في العراق. وكان عضواً في لجنة الفكر في مكتب المجلة، وأسهم في توفير مستلزمات طباعتها وتنظيم برنامجها العلمي، كما نشر في عددها الأول دراسة نقدية حول نظرية القانون الصرفة للفيلسوف القانوني هانز كلسن، تناول فيها هذه النظرية من منظور علمي نقدي.
غير أن المناخ السياسي في العراق أخذ يضيق على الأساتذة والمثقفين، ففي سنة 1954 أصدرت الحكومة قراراً بإقصاء سبعة من أساتذة الجامعات، وكان إبراهيم كَبّة أحدهم. وقد اضطر بعد ذلك إلى العمل في عدد من الشركات الأهلية مديراً عاماً لها، وهو عمل أتاح له الاحتكاك المباشر بالقطاع الخاص، فدرس من خلاله آليات العمل البرجوازي في الاقتصاد وممارساته العملية، وهو ما أضاف إلى خبرته الأكاديمية تجربة واقعية في عالم الاقتصاد.
وبعد قيام ثورة الرابع عشر من تموز سنة 1958 اختير وزيراً للاقتصاد في أول تشكيل وزاري في العهد الجمهوري، وكان اختياره نتيجة لآرائه الاقتصادية المستقلة وأفكاره الاشتراكية ونزاهته الفكرية. وقد وضع خبرته العلمية وتجاربه العملية في خدمة مشروع اقتصادي وطني يسعى إلى بناء اقتصاد متوازن ومستقل.
فوضع خطة لتطوير القطاع الصناعي العام والخاص معاً، وشجع الصناعات المتوسطة والصغيرة، ودعم الإنتاج المحلي، وسعى إلى تنظيم الاستيراد بما يتناسب مع حاجة السوق، كما اهتم بتطوير الإنتاج الزراعي وتشجيع التصدير والبحث عن أسواق جديدة، إضافة إلى اهتمامه بقطاع النفط والصناعات النفطية. وقد وصفت السفارة البريطانية آنذاك أداءه بأنه «الألمع والأذكى بين الوزراء».
بقي في منصبه حتى الثالث عشر من تموز سنة 1959، ثم عُيّن في الرابع عشر من الشهر نفسه وزيراً للإصلاح الزراعي، وتولى بعدها وزارة النفط وكالة، قبل أن يُعفى من مناصبه في السادس عشر من شباط سنة 1960. وبعد خروجه من العمل الوزاري عاد إلى التدريس في جامعة بغداد في الخامس من تشرين الثاني سنة 1960، وانصرف إلى البحث والتأليف والترجمة. وفي آذار سنة 1961 كان على رأس الموقعين من الأطباء والأساتذة والمفكرين على مذكرة بعنوان «رجال الفكر والأساتذة والحقوقيين» رفعت إلى عبد الكريم قاسم، يناشدون فيها التدخل لإلغاء حكم الإعدام الصادر عن المجلس العرفي العسكري بحق عدد من السياسيين من أبناء الموصل.
لكن التحولات السياسية في العراق لم تتركه بعيداً عن العواصف. فبعد الإطاحة بعبد الكريم قاسم اعتُقل وحُكم عليه بالسجن عشر سنوات، قبل أن يطلق سراحه سنة 1965 بعفو صدر من عبد السلام عارف. عاد بعدها إلى التدريس الجامعي، وظل فيه حتى أحيل إلى التقاعد سنة 1976، وقد عُدّ طوال تلك السنوات واحداً من أبرز المفكرين الاقتصاديين في العراق المعاصر.
غير أن سنواته اللاحقة لم تكن سهلة؛ فقد عاش في عزلة نسبية تحت وطأة الرقابة الأمنية والضغوط السياسية التي حرمته من النشر والكتابة بحرية، فانصرف إلى القراءة والبحث. وكان واسع الاطلاع متعدد اللغات، إذ أتقن الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والروسية واليونانية والإيطالية، الأمر الذي مكنه من متابعة الفكر الاقتصادي والفلسفي في مصادره الأصلية.
ترك إبراهيم كَبّة تراثاً علمياً وفكرياً غنياً رفد به المكتبة العربية، فقد ألّف وترجم عدداً كبيراً من الكتب والدراسات في الاقتصاد والفلسفة والفكر السياسي. ومن أبرز مؤلفاته وترجماته: وجهة القومية الحديثة (1941)، وترجمته لكتاب تأملات في روح العصر لهارولد لاسكي (1945)، وكتاب تطور النظام الاقتصادي (1953)، وترجمة أزمة الفكر الاقتصادي لهنري دنيس (1953)، وأزمة الفلسفة البرجوازية لجورج لوكاش، والمفاهيم الأساسية للاقتصاد العلمي، ومعنى الحرية لهوارد سيليسام، وتشريح المكارثية، وأضواء على القضية الجزائرية، والنفط والأزمة العالمية لروجيه برونيه مع ترجمة وتعليق، وأزمة الاستعمار الفرنسي، والإقطاع في العراق بين نوري السعيد وخبراء العالم الحر، والعراق والوحدة الاقتصادية، وكتاب الاجتماع الذري أو تشريح الكوسموبوليتية المترجم عن الألمانية، والقضية الجزائرية بين الشعب الفرنسي والاستعمار الفرنسي، وبعض المفاهيم الاشتراكية العلمية، وانهيار نظرية الرأسمالية المخطط، والماركسية والحرب الإمبريالية لهيرمان شلر، والبراغماتية والفلسفة العلمية لموريس كورنفورث، وما هي الإمبريالية، والرأسمالية نظاماً لأوليفر كوكس، كما ترجم كتاب مشاكل الجدل في رأس المال لماركس سنة 1973. ومن مؤلفاته أيضاً محاضرات في التاريخ الاقتصادي ودراسات في تاريخ الاقتصاد والفكر الاقتصادي.
وقد تناولت شخصيته وأعماله دراسات أكاديمية عديدة، كما ورد اسمه في معظم الموسوعات التي أرخت لأعلام العراق الحديث. وظلت آراؤه الاقتصادية موضوع نقاش في الأوساط الفكرية والجامعية، لما اتسمت به من عمق علمي ونزعة وطنية صادقة سعت إلى بناء اقتصاد عراقي مستقل ومتوازن.
توفي الدكتور إبراهيم كَبّة في السادس والعشرين من تشرين الأول سنة 2004، بعد حياة حافلة بالعلم والفكر والعمل العام، تاركاً وراءه إرثاً معرفياً واقتصادياً لا يزال حاضراً في ذاكرة الثقافة العراقية، بوصفه واحداً من العقول التي حاولت أن تمنح الاقتصاد العراقي رؤية علمية تنطلق من مصالح المجتمع وتطلعاته.