الملحن عبد الحسين السماوي صائـغ الأحزان العراقية

عباس الحسيني

مهدت فترة السبعينات، في العراق والتي ميزتها، حركات اليسار والانفتاح الجديد على العالم، للانتقال الى وعي فكري وأدبي وفني نادر الحدوث في كثير من لبلدان، كان الطروحات الفكرية المتعالية للماركسيين والليبراليين الجدد بمثابة نافذة جديدة، طل من خلالها الفرد العراقي على منتجات الحضارة الغربية، فكانت اسماء مثل: بدر شاكر السياب وسعدي يوسف ونازك الملائكة وغالب طعمة فرحان وفاضل العزاوي وسركون بولس وفؤاد التكرلي ، وغيرهم من الأدباء والشعراء رموز نهضة فكرية، تزامنت معها موجات الفن التشكيلي لجواد سليم ومحمد غني حكمت ورفعت الجادر وشاكر ال سعيد وضياء العزاوي، وإسماعيل فتاح الترك وغيرهم ، الى جانب فنانين مبدعين آخرين، جسدوا طرائق جديدة في طرائق التعبير، والتغيير، لتجسيد الذات العراقية الجديدة المفكرة والمولودة من رحم الثورات والانتفاضات.

كان المقام العراقي، بموسيقاه القارية، ذات الهويات المتعددة ، الفارسية والتركية والاسيوية، الى جانب الغناء الريفي وخجل الاغنية البغدادية، المتأثرة والمؤثرة بالمد الغنائي الشامي المصري، والتي جسدها عباس جميل ورضا علي وسلمان شكر، ومائدة ندهت وعفيفة إسكندر مع ابداعات صالح الكويتي، اليهودي المجنون بالطرب ومن ثم ظهرت مجموعة ملحنين مميزين، مارسوا المزج بين ألوان الغناء العراقي ضمن توليفات غريبة ومبدعة ومنهم الملحن الكبير عبد الحسين السماوي الوداعة والهدوء والمسار اللحني الملتزم بوحدة النص الشعري، هي من اهم ما يميز روحية الملحن الاستاذ عبد الحسين السماوي، شيخ الملحنين العراقيين، وشاهد مرحلة من تاريخ العراق ، ترجمها عشقا والقا وفرحا وجـسـّد أحزانها على حد سواء

الاجابات اللحنية للملحن عبد الحسين السماوي، عالم تأملي جميل المعاني في حرقة الناي والتفاف الكمنجات على إيقاعاته الهادئة. الملحن عبد الحسين السماوي، مبدع أغان ٍ كبيرة خلدتها الذاكرة العراقية على غرار: سلامات، چا شلي بسنين العمر من دونچ، لعبد الزهرة مناتي ، معاتبين جدامكم، لكمال محمد ، تناشدني عليك الناس واتحير شجاوبهالسعدي الحلي، دگيت بابكم، حچيك مطر صيف لفؤاد سالم، ياريحانة ، يالنسيتو ، حن ياليل، العيون الفراتية .. يالجمالك سومري، للدكتور فاضل عوّاد وضوة خدك مدري ضوة الكمرة. ومئات الأغاني العراقية الأصيلة التي غنّاها كبار مطربي العراق أمثال سعدي الحلي، ياس خضر، حميد منصور، فاضل عواد، فؤاد سالم، عبد الزهرة مناتي، سعدي البياتي وغيرهم

السماوي من الممهدين لتحديث الفن الغنائي العراقي ، مع عباس جميل الذي جعل الاغنية الريفية طيعة ومسموعة من الاطياف، كما في انه وخلي تسامحنا وحجينا وجيت لأهل الهوى وجل وين اهلنا، وكذلك الملحن الكبير طالب القره غولي باغان مثل مرينا بكم حمد وحن وانه احن ، وكمال السيد ونامق أديب ومحمد جواد أموري ومحسن فرحان وجعفر الخفيف ومحمد نوشي … وقد تجسدت جهودهم في مزج التراث الريفي بمناخ المدينة، وعبر توزيعات مقامية متفردة … جعلت من صوت عبد الزهرة مناتي وسعيد الحلي اضواء في مدن عراقية ، وهي اغان لا تخلو من الشجن والترجيع المنمق بالثقافة الموسيقية المتعالية.

توفي مغتربا في مدينة سدني الاسترالية يوم الاحد المصادف 26 اب 2018 ولد «عبد الحسين السماوي» في مدينة السماوة عام 1943 لقب «شيخ الملحنين العراقيين»، اذ أنجز أكثر من 200 لحن غناها مطربون من شتى الأجيال العراقية وأقام السماوي في سيدني ب‍أستراليا منذ العام 2002 حتى وفاته.

ابتدأ بتجويد القرآن الكريم وهو في المرحلة الابتدائية، وعند وصوله المرحلة المتوسطة مارس الغناء والتمثيل ضمن النشاطات المدرسية الفنية والمسرحية وقد غنى في حينها أحد أجمل الحانه وهي (حلوة حياتي وياك) التي اشتهرت بعد أن غناها المطرب داود العاني وتلتها ألحان اخرى لمطربين عديدين كأغنية (العيون الفراتية) التي غناها المطرب سعدي الحلي وأغنية (حجيك مطر صيف) للمطرب فؤاد سالم وأغنية (سلامات) للمطرب حميد منصور.

تخرج في معهد الفنون الجميلة العام 1963- فرع آله القانون وعين في النشاط المدرسي حتى احالته الى التقاعد العام 1989، بعد أن رفد مكتبة الإذاعة والتلفزيون بالحان جميلة وكان اكثرها سبباً في شهرة العديد من المطربين والمطربات. كان يبحث عن الصوت الذي يمتلك خصوصية تنسجم مع اللحن الذي يضعه لا شك ان اسلوبه هو استلهام الفلكلور بدأ يتكرس تدريجياً فكان صوت فؤاد سالم بداية لمرحلة يعتز بها حيث قدم خلالها الواناً من الاغاني ذات النكهة الفلكلورية، ردتك مطر صيف، محلاها العيون صوت الغريب، كانت الحصيلة مجموعة كبيرة ضمت الكاسيت الاول والثاني لفؤاد سالم.

في تلك الفترة تعرف على صوت المطرب حميد منصور فوجده أنموذجاً ينسجم تماماً مع اتجاهه بقراراته البديعة وجواباته الرشيقة صوت يستوعب عشر درجات في السلم الموسيقى مع حلاوة ريفية آسرة فكرس معظم الحانه منذ البداية مع المطرب حميد منصور، رد حبيبي، سلامات، عينك علينه، خلهم يرحون، كما قدم للمطرب كمال محمد اجمل اغنيتين، معاتبين، ردي بينه، ومثلها للفنان الدكتور فاضل عواد، ضوه خدك، مشتاق الك يانهر.

قد يعجبك ايضا