د. كريم نوري عبد الله الدليمي.
( الرجال لا تخلدهم المناصب ، بل تخلدهم المواقف ، وتبقى أثارهم في حياة الناس شاهداً على صدق عطائهم ).
والقول المأثور: ( أن اعظم ما يتركه الأنسان بعد رحيله ليس ما أمتلكه ، بل ما غرسه من خير ، وما قدمه من خدمه ، وما خلفه من ذكر حسن).
تقاس قيمة المسؤول في المجتمعات بمدى حضوره بين الناس ، وبما يتركه من أثر في حياتهم ، لا بما يشغله من مناصب ، ومن هذا المنطلق برز الشهيد ( صفاء حسين الحجازي )، عضو مجلس محافظة بغداد الذي استشهد في قضاء الطارمية التابع الى محافظة بغداد مساء يوم الأربعاء 15 تشرين الأول عام 2025، وهو يؤدي رسالته في خدمة أبناء بغداد ، لتبقى سيرته شاهداً على الإخلاص والتفاني في أداء الواجب ؛ بوصفه شخصية وطنية كرست جانباً كبيراً من حياتها الاجتماعية لخدمة المواطن ، ومتابعة احتياجاتهم وقد شكل استشهاده خساره مؤلمة للعمل المحلي في بغداد عموماً وعلى أهالي شمال بغداد وقضاء الطارمية خصوصاً ، اذ فقدت المحافظة احد ممثليها الذين ارتبط اسمه بالعمل الميداني والتواصل المباشر مع أبناء المجتمع :
-انطلاق المسؤولية المحلية واهميتها:
يؤدي مجلس المحافظة دوراً محورياً في رسم السياسات المحلية ، والاشراف على تنفيذ المشاريع ومراقبة أداء المؤسسات الحكومية ، ونقل مطالب المواطنين الى الجهات التنفيذية ، ومن هذا المنطلق فأن نجاح عضو المجلس لا يقاس بعدد القرارات التي يشارك في إصدارها فحسب ، بل بقدرته على تحويل احتياجات الناس الى أولويات عملية تسهم في تحسين مستوى الخدمات وتعزيز التنمية المحلية.
وفي ظل هذا الاطار سعى الشهيد ( صفاء حسين الحجازي )، الى أداء دوره من خلال الحضور الميداني ، والاستماع الى المواطنين ، ومتابعة ملفات الخدمات الأساسية ، ولا سيما تلك المتعلقة بالبنى التحتية ، والطرق ، وأوضاع المياه ، وقطاع الكهرباء ، والاحتياجات التنموية للمناطق التي كانت تعاني من نقص في الخدمات العامة .
-الشهيد ( صفاء الحجازي )، نموذج للمسؤول الميداني:
يقوم على التواصل المباشر مع المجتمع والمواطنين ، والايمان بأن المسؤول الحقيقي ينبغي أن يكون قريباً من الناس مطلعاً ضمن الصلاحيات المتاحة والمخول بها لخدمة المصلحة العامة ، وقد عرف عنه اهتمامه بمتابعة المشاريع الخدمية والمشاركة في الزيارات الميدانية ، ونقل احتياجات الأهالي الى الجهات التنفيذية ، ايماناً منه بأن التنمية المحلية لا تتحقق بالخطابات ، بل بالعمل المستمر والتنسيق بين المؤسسات الحكومية والمجتمع ، كما مثل نموذجاً للمسؤول الذي ينظر الى المنصب بوصفه تكليفاً لخدمة المجتمع ، وليس امتيازاً شخصياً ، وهو ما اكسبه احترام شريحة واسعة من المواطنين وزملائه وأهله والمجتمع جميعاً
-الاستشهاد … خسارة للعمل المحلي؟
جاء استشهاد ( صفاء حسين الحجازي )، في حادث إرهاب استهدفه اثناء أداء مهامه ليؤكد أن خدمة الوطن قد تكون محفوفة بالمخاطر ، وأن المسؤولين الذين يعملون بإخلاص بين الناس قد يواجهون تحديات كبيرة خلال مسيرتهم الإصلاحية في سبيل أداء واجبهم ، قد اثار خبر استشهاده حالة من الحزن والاستنكار ؛ وذلك خلال الاعتداء على شخصية خرجت من ركام المعاناة شخصية وطنية كرست جهودها وعمرها لخدمة أبناء محافظته بشكل عام وأهله من شمال بغداد وقضاء الطارمية بشكل خاص ، كما عد استهدافه محاولة للمساس باستقرار العمل المحلي واضعاف الجهود الرامية الى تطوير الخدمات وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.
-دلالات الاستشهاد:
أن استشهاد مسؤول محلي اثناء أداء واجبه يحمل دلالات عميقة ، ابرزها ان بناء الدولة لا يعتمد على المؤسسات وحدها ، بل على الأشخاص الذين يؤمنون برسالتها ويعملون بإخلاص من اجلها وبناءها وتقدمها ، كما يعكس هذا الحدث حجم التحديات التي تواجه العاملين في الشأن العام ، ويؤكد أهمية توفير بيئة امنة تمكن المسؤولين من أداء واجباتهم بعيداً عن التهديدات والعنف ، بما يعزز الاستقرار من اجل خدمة مصالح المواطنين:
-الإرث الذي تركة؟
لا يقتصر ارث الشهيد ( صفاء الحجازي )، على ما انجزه من اعمال ومتابعات ، بل يمتد الى القيم التي جسدها في حياته العملية ، ومنها الإخلاص وتحمل المسؤولية التي جعلته يدفع حياته ثمناً لمشروع الإصلاح ، والالتزام بخدمة المجتمع ، والحرص على التواصل مع المواطنين والمجتمع بشكل عام ، وتبقى هذه القيم مصدر الهام لكل من يعمل في الإدارة المحلية اذ تؤكد ان النجاح في العمل العام سيتحقق بالنزاهة والعمل الميداني والقدرة على الاستماع لصوت الناس والسعي الجاد لمعالجة مشاكلهم .
وفي الختام:
ان استذكار الشهيد ( صفاء حسين الحجازي )، ليس مجرد استحضار لسيرة شخصية وطنية عراقية ، بل هو استذكار لمعنى المسؤولية الوطنية ، والقيم الأخلاقية التي يتمتع بها والتي ضحا بنفسه من اجل مشروع الإصلاح ، أن يكون المسؤول قريباً من المواطنين ومدافعاً عن مصالحهم ، وستبقى ذكراه حاضرة في وجدان من عرفوه وعملوا معه ، بوصفه نموذجاً للمسؤول الذي أمن بأن خدمة الناس رسالة سامية تستحق التضحية ، وأن بناء الوطن يبدأ من خدمة المجتمع وتعزيز
العدالة ، وترسيخ قيم الإخلاص والعمل من اجل الصالح العام وداعياً الجميع الى مواصلة العمل من اجل عراق اكثر امناً واستقراراً وازدهاراً.
ونؤكد بالقول ( أن الأوطان لا تنسى ابناءها المخلصين ، والتاريخ لا يكتب أسماء الذين مرو فحسب ، بل يخلد الذين تركوا أثراً في حياة الناس ، رحم الله الشهيد ( صفاء الحجازي )، وجعل ذكراه نبراساً لكل من يحمل أمانة المسؤولية ).
“”يرحل الرجل وتبقى المبادئ ، لأن القيم لا تموت برحيل أصحابها ، بل تحيا بمن يعمل بها””