د. نزار الربيعي
يمثل اقتراب مولد الإمام السلطان محمد المحمد الكسنزان محطة روحانية يتجدد فيها حضور القيم الإيمانية في الوجدان، حيث يستحضر المريدون سيرة إمام عُرف بالتربية والإرشاد والاعتدال في السلوك.
نشأ الإمام في بيئة صوفية أصيلة، فترسخت لديه منذ الصغر معاني الذكر والمجاهدة، وتكوّنت شخصيته على أساس الالتزام بالشريعة مقرونًا بتهذيب النفس.
برزت ملامح القيادة الروحية لديه مبكرًا، إذ جمع بين العلم والعمل، فكان مرشدًا يربط بين النص الديني والتطبيق العملي في حياة المريد.
اتصف بالتواضع الجم، فلم يكن يتكلف في التعامل مع الناس، بل كان قريبًا منهم، يستمع إليهم ويوجههم برفق.
عُرف بالحلم والصبر، يتعامل مع الشدائد بثبات، ويواجه الخلافات بروح إصلاحية تسعى إلى جمع الكلمة.
امتلك قدرة على التأثير الهادئ في النفوس، حيث كان حضوره باعثًا على الطمأنينة، ويشعر من يجالسه بالسكينة.
ركز في توجيهاته على تزكية النفس، وعدّها أساس السير إلى الله، مؤكدًا أن إصلاح الداخل ينعكس على صلاح الظاهر.
كان يؤكد أن الطريق إلى الله قائم على الإخلاص، وأن العمل الصادق أبلغ من كثرة القول.
من صفاته البارزة الحكمة، إذ كان يختار كلماته بعناية، فتأتي موجزة لكنها عميقة الدلالة.
نُقلت عنه كرامات متعددة، منها استجابة الدعاء للمكروبين، حيث يلجأ إليه الناس فيدعو لهم فيجدون الفرج بإذن الله.
ومن كراماته ما يُذكر عن قوة البصيرة، إذ يوجّه المريد بما يلائم حاله دون إفراط أو تفريط.
كما يُروى أن مجالسه كانت سببًا في هداية كثيرين، لما تحمله من معانٍ تربوية تُلامس القلوب.
كان يرى أن الذكر غذاء الروح، ويحث على المداومة عليه حضورًا وقلبًا لا مجرد ألفاظ.
أكد على أهمية الأخلاق، كالرحمة والتسامح والعدل، وعدّها معيارًا لصدق السلوك الصوفي.
دعا إلى التوازن بين الشريعة والحقيقة، رافضًا الفصل بينهما، ومؤكدًا أن الالتزام بالأحكام أساس الطريق.
من أقواله: إن صدق النية يرفع العمل القليل، وإن الغفلة تُضعف أثر العمل الكثير.
ومن توجيهاته: الزم الذكر في السر والعلن، فإن به حياة القلب وانشراح الصدر.
وقال أيضًا: لا تطلب المقامات، واطلب رضا الله، فإن المقامات تُوهب ولا تُكتسب بالدعوى.
وشدد على أن خدمة الناس باب عظيم للقرب من الله، لما فيها من نفع وإحسان.
كان يحذر من الغلو والتشدد، ويرى أن الاعتدال سبيل السلامة في الدين والدنيا.
مع اقتراب مولده، تُقام المجالس التي تُحيي سيرته، وتُتلى فيها الأذكار والمدائح استذكارًا لمعاني الطريق.
تسهم هذه المناسبة في تقوية الروابط بين المريدين، وتغذية روح التعاون والتراحم بينهم.
كما تُعد فرصة لتجديد العهد بالسير على منهجه في الإخلاص والعمل والأخلاق.
إن استحضار سيرته يمنح نموذجًا عمليًا للتدين المتوازن الذي يجمع بين العبادة وخدمة المجتمع.
يبقى أثره حاضرًا في نفوس محبيه بما تركه من توجيهات راسخة وتجربة روحية مؤثرة.
وتظل ذكراه مصدر إلهام لكل سالك يبتغي القرب من الله عبر طريق واضح المعالم قائم على المحبة والاعتدال.
إن إحياء مولده ليس احتفالًا شكليًا، بل هو تذكير بمنهج إصلاحي يهدف إلى بناء الإنسان روحًا وسلوكًا.
وهكذا تستمر رسالته عبر الأجيال، من خلال مريديه الذين يحملون قيمه وينشرونها في مجتمعاتهم.