التاخي – ناهي العامري
برلمان الكيا، اشبه بمداخلات وتعقيبات على ما يجرى في الجلسات التشريعية تحت قبة البرلمان.
بصفتي أديب وصحفي أرصد بحرص مجموعة الافكار التي يطرقها العامة داخل حافلة الكيا، بعد فض كل جلسة برلمانية، لنقلها الى صحيفتي التآخي التي اعمل بها، كونها (أي الافكار) خالصة، تصب في مصلحة المواطن، لا رياء فيها أو نفاق سياسي، لا شعارات مستهلكة ولا مجاملات لرئيس حزب أو كتلة، لذا أولت جريدتنا اهتماما لعمود برلمان الكيا، اذ احتل ركن الصفحة الاخيرة المخصص لابرز مقال، الا وهو العمود الثامن، كي يكون صوت الحقيقة متاح لجميع القراء.
بعد فضيحة سرقة أموال الشعب، من قبل جهات حكومية وبرلمانية، حدث اشبه بزلزال، جعل المواطن في حالة من الذهول، شعر بخيبة لا أمل من شفائها، نكوص وانكسار، جعلاه يلوذ بالصمت، كمن يتعرض الى صدمة كبيرة تفقده السماع والبصيرة، على أثر ذلك تعطل انعقاد برلمان الكيا، يبقى الركاب عاقدي الالسن، ذهابا وايابا، كأنهم عمدوا على سد منافذ الفضيحة، لئلا تتسرب وتزكم الانوف برائحتها العطنة.
قد تكون هناك محاولات على احيائها، لكنها غير مكتملة النصاب، والمتحدثون لا يصغي احدهم للآخر، أشبه بحديث الطرشان، كل من يعلل ما حدث على هواه، كأن الخيبة أفسدت قدرتهم على التفاهم، أو الخروج بتوصيات أيجابية، تطمأن لها النفوس، وتشجع على الإنصات لها. حدث ذلك في مشواري الاخير، اذ تنامى الى سمعي حديث الكيا، وانا جالس على المقعد الاخير من جانب النافذة، رفعت رأسي، وعدلت من هيئة جلوسي، استبشرت خيرا، مرهفا سمعي للمتحدثين، لعلي احصد ما يشفي الغليل، يعوض ولو جزءا يسيرا من الخذلان الذي منحوه لنا ساستنا ومشرعينا ونزاهتنا، فاذا به لغط عقيم، لا ثمر به، فما ان افتتح الجالس في المقعد الوسط وراء السائق ، بتوجيه الاتهام بحسرة وغضب، سرقوا اموال الشعب، الله لا يوفقهم، كنت اعتقد سيطرح البعض معالجات حكيمة توقف هذا التمادي والاستهتار بقوت الناس، الا ان ذلك لم يحدث، بل راح كل من أيقظه الاتهام من سباته، يتكلم مع نفسه، بصوت عال ، ليسمعه كل من داخل الكيا، احدهم برأ السراق وقال: احنا موخوش ناس، مشيرا الى شراء الذمم بمبلغ خمسين الف دينار مقابل انتخاب المرشحين، وظل يلهج بهذه اللازمة احنا مو خوش ناس، دون ان يتوقف، فيما الاخرين حذوا حذوه، معلنين بصوت عال عن رأيهم فيما جرى من فضيحة السرقة، وهكذا الكل يلهج بما عنده، فتحولت الجلسة الى فوضى وضوضاء لا مخرج منها، تأملت المشهد ثم سألت نفسي: هل ما اراه هو جلد الذات ، والندم على استهانة البعض باهمية اختيار المرشح الكفوء والنزيه، حين لم يخرج الغالبية للانتخابات ، وباعو البعض ضمائرهم بدراهم معدودة.
فهل ترعوي الغالبية ليجعلوا من الفاسدين أقلية لا تذكر، ويبعدوهم عن السلطة في الانتخابات القادمة.