شخصيات من الذاكرة الكوردية

توفيق حسن اغا دولت؛ من حي ملكندي في السليمانية إلى كاليفورنيا

قصة عالم ودبلوماسي كردي وابنته التي أصبحت رمزًا للنجاح في أمريكا

تاريخ الأمة الكوردية مليء بالشخصيات النادرة والمتميزة التي لم تبرز فقط داخل الوطن، بل أصبحت أيضًا موضع اهتمام وفخر على المستوى الدولي والعالمي. ومن بين تلك الأسماء التي تستحق أن تُكتب بحروف من ذهب في صفحات التاريخ الأكاديمي والعلمي والسياسي الكردي، الأستاذ توفيق حسن آغا محمود، المعروف باسم “توفيق دولت”. لم يكن هذا الرجل مجرد أستاذ جامعي، بل كان بمثابة سفير ثقافي وجسر علمي ووطني بين السليمانية وكاليفورنيا.

1. الجذور:
عائلة دولت وحي ملكندي
وُلد توفيق حسن آغا محمود عام 1927 في حي ملكندي بمدينة السليمانية. ولم يكن هذا الحي مجرد منطقة سكنية، بل كان مركزًا للأصالة والوطنية وتخريج المناضلين. وكانت عائلة “حسن آغا دولت” من العائلات المعروفة والمحترمة في السليمانية، واشتهرت بالخير والكرم والوطنية. نشأ توفيق في هذا الوسط، مما ساعد على تكوين شخصية قوية وطموحة ومتعطشة للعلم منذ صغره، وهو ما قاده لاحقًا إلى أبعد نقاط العالم.
2. الرحلة العلمية:
أول كوردي في جامعات كاليفورنيا
في خمسينيات القرن الماضي، وفي وقت كان السفر والدراسة في الولايات المتحدة حلمًا صعب المنال، استطاع توفيق دولت، بذكائه وطموحه، أن يتجاوز الحدود ويتوجه إلى أمريكا.
استقر في ولاية كاليفورنيا، ونجح في الحصول على درجة الماجستير من جامعة UCLA المرموقة في تخصص “الجغرافيا الاقتصادية”. وكان هذا إنجازًا تاريخيًا في ذلك الوقت، إذ أصبح من أوائل الكرد الذين درسوا هذا التخصص الحديث، والذي شكّل لاحقًا أساسًا لمشواره الأكاديمي في جامعات العراق وكوردستان.
3. ديانا محمود: ابنة كردية في قمة السياسة الأمريكية
ما يجعل هذه السيرة مصدر فخر وطني استثنائي هو قصة ابنته من زواجه الأول أثناء إقامته في أمريكا.
ديانا توفيق حسن محمود لم تكن مجرد فتاة كوردية في المهجر، بل بفضل كفاءتها وذكائها أصبحت محامية معروفة وشخصية سياسية مؤثرة في كاليفورنيا.
تمكنت من كسب ثقة المواطنين الأمريكيين، وانتُخبت لعدة دورات كعضو في مجلس مدينة ساوث باسادينا. وبلغت ذروة نجاحها عندما تولت منصب رئيسة البلدية (Mayor) للمدينة.
وهذا الإنجاز لا يمثل فخرًا لعائلتها فقط، بل هو دليل واضح على أن الكوردي قادر على الوصول إلى أعلى المناصب أينما كان. ولا تزال ديانا محمود تُعد رمزًا لنجاح الكرد في المهجر داخل الولايات المتحدة.
4. الارتباط بالتاريخ: أحمد خواجة
بعد عودته إلى الوطن، لم يقتصر دور توفيق على العمل الأكاديمي، بل أسس علاقات قوية مع عائلات كوردية مناضلة. فقد تزوج من السيدة سيروان أحمد خواجة، ابنة المؤرخ والمناضل الكوردي الكبير أحمد خواجة.
أحمد خواجة، المعروف بكتبه مثل “چیم دی” وتوثيقه لتاريخ الثورات الكوردية، كان شخصية بارزة قضت نحو قرن في النضال والكتابة. وقد جمع هذا الزواج بين عائلتين عريقتين في السليمانية (دولت وأحمد خواجة).
ورُزق توفيق من هذا الزواج بولدين وبنتين، يقيمون اليوم في السويد ويواصلون نهج والدهم.
5. المسيرة الأكاديمية والدبلوماسية
كان الأستاذ توفيق دولت أستاذًا محبوبًا ومحترمًا في جامعة بغداد ثم جامعة صلاح الدين. وإلى جانب عمله الأكاديمي، شغل مناصب دبلوماسية مهمة في سفارات العراق في عدة عواصم عالمية، وكان دائمًا يعتز بهويته الكوردية.
المسيرة الأكاديمية:
عُيّن أستاذًا في جامعة بغداد عام 1960.
واصل التدريس بين 1973 و1983 في كلية الآداب.
انتقل عام 1983 إلى جامعة صلاح الدين واستمر فيها حتى وفاته.
المسيرة الدبلوماسية:
سكرتير أول في سفارة العراق في باكستان (1964–1967).
قنصل في موسكو (1967–1969).
قنصل في جدة (1969–1971).
عمل في وزارة الخارجية (1971–1973).
توفي هذا العالم والدبلوماسي الكبير في 17 تشرين الثاني 1989 بعد صراع مع المرض، ودُفن في مدينة السليمانية.
ورغم رحيله، فإن إرثه العلمي وسمعة عائلته، ونجاح ابنته ديانا على المستوى الدولي، جعلت اسمه خالدًا في التاريخ.

المصادر والملاحظات التاريخية:

الصورة :
التُقطت عام 1952 في فندق أمباسادور في لوس أنجلوس، وتُظهر مجموعة طلاب مع الملك فيصل الثاني.

في الختام، نتقدم بجزيل الشكر للدكتور مريوان دولت على جهوده في توفير الصور والمعلومات الدقيقة، والتي كان لها دور كبير في توثيق هذه السيرة التاريخية المهمة.

قد يعجبك ايضا