جاسم العقيلي
يشهد الفضاء الرقمي اليوم تدفقًا غير مسبوق للمعلومات، يصاحبه تزايد خطير في ظاهرة المعلومات المضللة وتشويه السمعة، ما يستدعي وقفة جادة لإعادة الاعتبار للحقيقة في زمن باتت فيه الشائعات أسرع من الضوء وأكثر انتشارًا من الحقيقة نفسها .
يقول الكاتب الصحفي المصري أحمد الغطيفي: “المعلومة الكاذبة كالسم، تنتشر في العروق الرقمية بسرعة الضوء، وتحتاج إلى ترياق الحقيقة ببطء الظل”. وهذا يضعنا أمام تحدي بناء مناعة مجتمعية حقيقية ضد التضليل، تبدأ من وعي الفرد ولا تنتهي عند مسؤولية المنصات الرقمية .
أما الكاتب اللبناني حازم صاغية فيرى أن “تشويه الأشخاص في وسائل التواصل لم يعد مجرد سلوك فردي، بل تحول إلى صناعة كاملة تغذيها الخوارزميات وتستهدف تفكيك الثقة في كل شيء”، وهو ما يفسر سهولة تحويل أي شخص إلى هدف للحملات المنظمة التي لا تستند إلى أي دليل، بل إلى رغبة خفية في الهدم والتشويه ..
ويؤكد الباحث الإعلامي الأمريكي دان جيلمور: “في عصر المعلومات المفرطة، أصبح التدقيق والتحقق مهارات بقاء، وليس مجرد أدوات صحفية”. فلم يعد الجمهور متلقيًا سلبيًا، بل أصبح مشاركًا نشطًا في نشر المعلومات أو دحضها، ومن هنا تنبع المسؤولية الأخلاقية الكبرى في التثبت قبل المشاركة .
ويمكننا معالجة هذه الظاهرة من خلال تعزيز ثقافة “التوقف قبل النقر على زر المشاركة”، وتدريس مهارات التحقق من المصادر في المؤسسات التعليمية، ودعم المنصات التي تتبنى آليات رصد واضحة للمعلومات المضللة، مع محاسبة مروجي الأكاذيب والتشويهات بشكل قانوني وأخلاقي. فالجمهور الواعي لا يولد، بل يُصنع عبر الممارسة النقدية المستمرة ورفض الاستسهال الفكري، وهذا ما يؤكده الكاتب السعودي عبد الله الغذامي .
إن نبذ المعلومات الكاذبة وتجنب تشويه الآخرين ليس خيارًا تكميليًا في حياتنا الرقمية، بل واجب أخلاقي ومجتمعي يبدأ بوعي فردي ويتحول إلى ثقافة جمعية، وحينها فقط نستطيع أن نطمئن إلى أن وسائل التواصل ستعود جسرًا للحقيقة لا أداة للكذب .