الحزب الديمقراطي الكوردستاني.. الشراكة الدستورية ومعادلة الحكم في العراق

دژوار فائق

يُعدّ الحزب الديمقراطي الكوردستاني حزبًا سياسيًا جماهيريًا عريقًا، يتمتع بتأثير واضح في العملية السياسية في العراق. وقد ظلّ، على الدوام، الحزب الأول انتخابيًا في كوردستان، ومن بين القوى المتقدمة في المشهد الانتخابي العراقي. ولم يقتصر حضوره على الجانب الانتخابي فحسب، بل كان له دور محوري في محطات مفصلية من تاريخ العراق الحديث.

فقد اضطلع الحزب بدور مهم في عملية تحرير العراق عام 2003، كما ساهم بشكل كبير في صياغة الدستور العراقي، وفي بناء الدولة العراقية الجديدة، وإعادة هيكلة الجيش. وكان دائمًا جزءًا من الحل، لا جزءًا من الأزمة. بل إن معظم الحكومات العراقية تشكّلت، في لحظات التعقيد السياسي، بتدخل مباشر أو بدعم من الرئيس مسعود بارزاني، حين كانت الخلافات تحتدم بين الأطراف العراقية. وحتى حكومة السيد محمد شياع السوداني تشكّلت بمباركة الرئيس بارزاني، كما تم حل أزمة رئاسة البرلمان بتدخله، بعد أن قاربت الأزمة عامًا كاملًا، في أعقاب إعفاء السيد محمد الحلبوسي وتسمية السيد محمود المشهداني.

لقد تأسس العراق الجديد على مبادئ التعددية الحزبية، وحرية الرأي، والشراكة، ليكون دولة ديمقراطية اتحادية برلمانية تمثل جميع مكوناته. غير أن المشكلة الأساسية في العراق تمثلت، وما زالت، في التدخلات الخارجية، والانتقائية في تطبيق الدستور، وعدم الالتزام بمبادئ النظام الاتحادي في التعامل مع حكومة إقليم كوردستان. يضاف إلى ذلك استمرار القضايا العالقة بين أربيل وبغداد، وفي مقدمتها تنفيذ المادة 140 الخاصة بمعالجة التغيير الديموغرافي في مناطق واسعة من كوردستان، ولا سيما كركوك، فضلًا عن تأخر إقرار قانون النفط والغاز، وعدم الاعتراف بحق الإقليم والمحافظات المنتجة للنفط في رسم السياسة النفطية، وكذلك ملف المستحقات المالية لقوات البيشمركة، بوصفها جزءًا من المنظومة الدفاعية العراقية، إلى جانب التعثر في معالجة ملف ميزانية الإقليم ورواتب الموظفين.

ومن جهة أخرى، يبرز إخلال واضح بمبادئ الشراكة والتوازن والتوافق في إدارة الحكم، مع لجوء متكرر إلى منطق (أغلبية السلطة) داخل الحكومة والبرلمان، وفرض الإرادة السياسية، وعدم الالتزام بالاتفاقيات المبرمة مع حكومة إقليم كوردستان والحزب الديمقراطي الكوردستاني. ويترافق ذلك مع محاولات لتهميش الكورد والسنة، وفرض معادلات سياسية غير عادلة، وفق منطق: ((تريد غزالًا، خذ أرنبًا؛ تريد أرنبًا، خذ أرنبًا)).

ولهذه الأسباب، انسحبت كتلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني من حضور جلسات البرلمان العراقي، ولا سيما نتيجة تراجع الالتزام بمبادئ الشراكة والتوازن والتوافق، والتنصل من التفاهمات السياسية.

ولا تزال المقاطعة مستمرة حتى إشعار آخر، بانتظار استجابة إيجابية من القوى المؤثرة في العملية السياسية، سواء في البرلمان أم في الحكومة، عبر العودة إلى التفاهمات المنصفة، وإحياء مثلث الشراكة والتوازن والتوافق، ونبذ سياسات التهميش والإقصاء وفرض الإرادة.

أما فيما يتعلق بتشكيل الحكومة، فقد اتسمت العملية في الانتخابات السابقة بالتعقيد، نتيجة التدخلات الخارجية، ولا سيما الأمريكية والإيرانية، فضلًا عن تضارب المصالح بين القوى السياسية الفائزة.

واليوم، وفي ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، أصبحت معادلة تشكيل الحكومة أكثر تعقيدًا. فإيران تدعم مرشحين محددين، في حين تعارض الولايات المتحدة هؤلاء المرشحين، وللرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفه الخاص في هذا السياق. كما يشهد الإطار التنسيقي انقسامًا بشأن تسمية رئيس الوزراء، ما قد يدفع نحو خيار توافقي، مع احتمالية استبعاد كل من نوري المالكي ومحمد شياع السوداني. وتجدر الإشارة إلى أن وفدين، أحدهما أمريكي والآخر إيراني، زارا بغداد مؤخرًا لممارسة ضغوط على قوى الإطار التنسيقي.

ويؤكد الحزب الديمقراطي الكوردستاني دعمه لمرشح الأغلبية الذي تتوافق عليه قوى الإطار التنسيقي، شريطة التزامه بمبادئ الشراكة والتوازن والتوافق، وتطبيق الدستور، وتنفيذ تفاهمات أربيل–بغداد، واعتماد النهج الاتحادي في التعامل مع حكومة إقليم كوردستان، وضمان الحقوق الدستورية العادلة للكورد. كما يشدد الحزب على ضرورة احترام موقفه في اختيار رئيس الوزراء، باعتباره رئيسًا لعموم العراق، لا لمكوّن بعينه، ولأن الحزب يتمتع بقاعدة جماهيرية واسعة وثقل انتخابي واضح منذ عام 2005.

قد يعجبك ايضا