احداث عاصرتها

 

 

 

 

محسن دزه ايي

 

تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).

 

يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

 

 

 

الجزء الرابع والثلاثين

وخلال تلك المدة التقيت البارزاني عدة مرات وفي مناسبات عامة في مركز ناحية (سنكه سه ر) أو في رانية وقابلته مرة واحدة في لقاء خاص، وفي أواخر شـهــر نيـسان أو أوائل شهر مايس سافرت الى أربيل، بعد أن علمت بأن المتصرف (بدرالدين علي) قد جرى نقله من اللواء -المحافظة- وكان قد حل محله السيد (يونس حسين) وهو من ضباط الجيش ولم يستمر بقاءه سوى أسابيع، وبعد ذلك عين العميد الركن (عبدالمنعم المصرف) متصرفاً–محافظاً- لأربيل الذي كان قد باشر وظيفته قبل ايام من وصولي المدينة.

عند وصولي أربيـل للمرة الأولى بعد أحد عشر شهراً من مغادرتي لها، التقيت بأقاربي وأصدقائي القدماء، الذين كنت أقضي معهم أكثر أوقاتي قبل التحاقي بالثورة، ومن جملتهم محمد حسن دزه يي مدير المصرف الزراعي ومجيد جوكل دزه يي وكان قد القي القبض عليهما ليلة التاسع من حزيران سنة 1963 أبان المباشرة بالحركات العسكرية من قبل النظام، وكان المرحوم مجيد دزه يي قد فصل من وظيفته كنائب مدعي عام ثم أعيد بعد مدة بوظيفة كاتب أول فى محاكم أربيل، أما محمد حسن دزه يى فكان قد نقل كمدير الى أحد الفروع فى بغداد وكان يتمتع بأجازة يقضيها في أربيل، وكذلك التقيت بصديقي القديم جودت أحمد ناجي الذي كان مديراً للتحـرير في ديوان المتصرفية –المحافظة- وكذلك أصدقاء الطفولة نهاد نورالدين والدكتور عبدالرزاق الدباغ وغيرهم لايسع المجال هنا لدرج اسمائهم جميعاً.

ونصحني المرحوم محمد حسن دزه يي بزيارة كل من المتصرف عـبدالمنعم المصرف وكذلك آمر اللواء الثالث العميد الركن كمال مصطفى.

ذهبت لزيارة السيد عبدالمنعم المصرف واستقبلني في حديقة داره عصر أحد الايام وجدته رجلاً مهذباً جداً ومتواضعاً وعرض استعداده لتلبية أي طلب ممكن، كما ووجدته انساناً مسالماً يحب الخير ولا يميل الى الشر بتاتاً وكـذلك محباً للسلام والهدوء في المنطقة، وقد نمت الصداقة بيننا منذ اللقاء الاول وبعد ذلك أصبحت دوماً أتردد عليه في ديوان المتصرفية -المحافظة- ونتعاون معاً في حل المشاكل الطارئة بالنسبة للمحافظة، وتبين فيما بعد بأنه من أفضل المتصرفين العراقيين اطلاقاً عن ممن تولوا ادارة لواء أربيل منذ اندلاع الثـورة الكوردية ولغاية انسحاب إدارات الحكومة المركزية من كوردستان في شهر تشرين الأول من العام 1991.

 

بعد عودتي الى أربيل سافرت ثانيةً الى رانية وقضيت فيها بضعة أيام٬ وقد غادرها أكثر أعضاء المكتب السياسي عائدين الى ماوه ت، وأستمرت الألتحاقات في تلك الفترة ولم يبق الا عدد قليل من وحدات البيشمركه مع المكتب السياسي مقارنة بالعدد الفعلي الموجود، وقد دعا رئيس الحزب مصطفى البارزاني الى عقد مؤتمر للحزب، الا ان سكرتير الحزب وأعضاء المكتب السياسي ومعظم أعضاء اللجنة المركزية والكوادر الموالين لهم قد أمتنعوا عن الحضور ورغم توسط شخصيات كوردية عديدة داخل الثورة

 

كما وزرت العميد الركن كمال مصطفى آمر اللواء الثالث الذي وجدته من خيرة الضباط العراقيين وشخصاً اجتماعياً لطيف المعشر بعيد كل البعد عن روح العنف والعنصرية ومحباً للخير والتآخي بين جميع المواطنين مؤمناً بعراق الجميع، وبدأت صداقتنا منذ ذلك الحين ولغاية اليوم وأصبح من المقربين جداً كما وأصبح من الأصدقاء المقربين للزعيم الكوردي الراحل مصطفى البارزاني وأصبحت له مكانة خاصة وتقدير وأحترام كبيرين لديه وأحتفظ بهذه العلاقة فيما بعد مع الرئيس مسعود البارزاني ايضاً وسآتي على تفاصيل هذه العلاقات فيما بعد، وأنه ينحدر من عائلة مزيجة من العرب والتركمان والكورد لذا فهو يمثل بحق موزائيك القوميات في العراق.

وعلمت بأن فتاح آغا الهركي رئيس عشيرة الهركي الشهـيرة والذي كان من الموالين للحكومة المركزية لكنه كان يحتفظ بعلاقات حسنة مع قيادة الثورة وله مواقف مرضية، علمت بأنه كان يقوم بزراعة اراضينا الزراعية ولكن كان غرضه حماية تلك الاراضي من المصادرة او منع سيطرة بعض المرتزقة عليـها وأنه قد احتفظ على حصتنا من تلك المزروعات وأبدى استعداده لأعادتهـا جميعاً متى ما أستتبت الأمور ومتى طلبنا منه ذلك نحن، وقد قام بذلك العمل مشكوراً للعلاقات السابقة بيننا وحفظاً لمصالحنا.

سفري الى بغداد

عدت الى منطقة رانية بعد قضائي بضعة أيام في أربيل بين أهلي وأصحابي، وشاءت الظروف والصدف أن أتعرف عـلى الأخـوان مسعود البارزاني أولاً وبعد أيام قليلة على ادريس البارزاني وتطورت هذه العلاقة ثم اصبحت حميمية واستمرت -ولله الحمد- لغاية اليوم.

وكذلك وجدت في رانية بعض أعضاء المكتب السياسي وسكرتير الحزب ابراهيم أحمد متواجدين هناك، وما يؤسف له بأنني لاحظت أن الخلافات قد اشتدت وكان الانشقاق المؤلم وشيك الوقوع، عدت الى أربيل ومنها الى بغداد بعد أن فاتح السيد عبدالمنعم المصرف محافظ أربيل ماكانت تسمى بوزارة الدولة لشؤون أعمار الشمال والتي كان يشغلها المرحوم مسعود محمد الذي تسنم هذا المنصب بعد أعلان الهدنة بأسابيع، كذلك فاتح متصرف أربيل رئاسة الوزارة بتعويضي عن بعض الخسائر التي لحقت بنا خلال هذه المدة. وبعد أن التقيت مسعود محمد تبين بأنه لم يكن يملك أية صلاحيات وأخبرني بضرورة مقابلة رئيس الوزراء الفريق طاهر يحيى، وقد حصلت على مـوعـد للقائه وجدت الرجل متواضعاً ورحب بي وأنجز معاملتي وبذلك حصلت على موافقة لدفع مبلغ زهيد بالنسبة لخسائرنا وكذلك نفس المبلغ بالنسبة لشقيقي كاك أحمد على أن يدفع في أربيل من الميزانية المخصصة لذلك، وكنا في أمس الحاجة في ذلك الوقت الى أي مبلغ لضياع كل شيء، وقد صرفت الجزء الأعظم منه لتلافي الالتـزامات التي تراكـمت عـلينا خلال تلك الفتـرة. وفي بغداد قابلت ابن خالتي وصديقي المقرب المحامي زيد أحمد عثمان وقـضـينا بضعة أيام معاً.

وخلال وجودي فيها ايضا، قمت بزيارة المرحوم اللواء رشيد مصلح الذي كان وزيراً للداخلية وحاكماً عسكرياً عاماً، ولم يتذكرني للوهلة الاولى فكان آمراً لسريتنا فى دورة الاحتياط في معسكر سكرين سنة 1953 ثم معاوناً لآمر فوجنا، ولما ذكرته بنفسي استقبلني ببشاشة وأوعـز الى سكرتيره المقدم الركن عبدالرحمن الناصر لأصدار وثائق عدم تعرض وحمل أسلحة لي.

وكان المقدم عبدالرحمن الناصر ملحقاً عسكرياً في براغ عندما ذهبت الى هناك كسفير سنة 1970، اما رشيد مصلح فقد استقال من منصبه فيما بعد لخلافه مع عبدالسلام عارف حسبما أعتقد وقد أعدم بعدما جاء حزب البعث الى الحكم في انقلاب سنة 1968 (رحمه الله).

 

المؤتمر السادس للحزب

بعد عودتي الى أربيل سافرت ثانيةً الى رانية وقضيت فيها بضعة أيام٬ وقد غادرها أكثر أعضاء المكتب السياسي عائدين الى ماوه ت، وأستمرت الألتحاقات في تلك الفترة ولم يبق الا عدد قليل من وحدات البيشمركه مع المكتب السياسي مقارنة بالعدد الفعلي الموجود، وقد دعا رئيس الحزب مصطفى البارزاني الى عقد مؤتمر للحزب، الا ان سكرتير الحزب وأعضاء المكتب السياسي ومعظم أعضاء اللجنة المركزية والكوادر الموالين لهم قد أمتنعوا عن الحضور ورغم توسط شخصيات كوردية عديدة داخل الثورة أمثال كاكه زياد وعباس مامند آغا وشيخ حسين بوسكين وأحمد محمد أمين دزه يي كذلك خارجها أمثال فؤاد عارف ورؤوف أحمد والدكـتور عبدالرحمن عـبدالله وغيرهم، لكن جهودهم لم تنجح في حل المشاكل العالقة، وكان من الممكن حل تلك الخلافات بتنحي اثنين أو ثلاثة من اللجنة المركزية وبضمنهم سكرتير الحزب ابراهيم أحمد ولكن التعنت والاصرار من قبل هؤلاء المتشددين قد حال دون ذلك.

 

بعد تنسيبي لمسؤولية القسم العدلي بعد المقر السادس، باشرت بعملي في ذلك المكتب وأخذت بتنظيم الحاكم على أسس أصولية وقانونية قدر الأمكان وعلى قدر توفر الكوادر القانونية أو شبه القانونية وتم تأسيس المحاكم وتوزيع الكوادر في معظم المناطق، وللحقـيقة كان البارزاني خير سند لأجل تحقيق هذا الغرض فكان يريد نشر العدالة وسيادة القانون ومكافحة الجرائم

 

عدت الى أربيل ثم الى بغداد وسمعت بأن المؤتمر السادس للحزب قد عقد في قلعة دزه وتم انتخاب لجنة مركزية جديدة، وقرر المؤتمر طرد اعضاء اللجنة المركزية الذين رفضوا الحضور من الحزب.

التقيت في بغداد كل من حبيب محمد كريم ويدالله كريم(1) اللذين انتخبا في اللجنة المركزية الجديدة وكلاهما من أصدقائي، فكان حبيب زميلي في الدراسة وتمتد صداقتنا الى أيام الكلية ومنذ سنة 1951، أما يدالله فعرفته بعد ثورة الرابع عشر من تموز سنة 1958. وقد ناقشنا الأوضاع الجديدة وعلمت منها أنه ورد اسمي لرئاسة القسم العدلي الذي استـحدث في الادارة الجديدة للحزب، وأستقر رأينا على الاستمرار في العمل في صفوف الحزب والثورة، بالرغم من تأسفنا لحدوث ذلك الانشقاق في صفوف الحزب والثورة، وبعد انتهاء المؤتمر طولب المكتب السياسي السابق بتـسليم ممتلكات الحزب الى اللجنة المركزية الجديدة وعند رفض ذلك حدثت مناوشات مؤسفة انسحبت على أثرها جماعة المكتب السياسي القديم الى داخل الحدود الايرانية مع مايقارب من خمسمائة مسلح من أعضاء وكوادر الحزب والبيشمركه، وبعد محاولة أخرى للعودة الى كوردستان حدثت مناوشات أخرى أنسحبت الجماعة الى داخل الحدود الايرانية مجدداً ثم اسكنوا فى همدان من قبل السلطات الايرانية بعد تهديد البارزاني لتلك السلطات.

كان الكثيرون من أمثالي لايزالون يتعاطفون مع المنشقين وكان البارزاني يعلم بذلك، وكان مرد ذلك التعاطف بالنسبة لي لسببين رئيسيين أولهما كون اكثر المنشقين من أصدقائي وزملائي القدامى وترجع العلاقة والصداقة مع بعضهم الى نهاية الاربعينيات من القرن الماضي، والسبب الثاني هو قناعتي بأن أي انشقاق في صفوف الحزب والثورة يؤدي الى اضعافهما ويـضر بمصلحة الشعب الكوردي، وعندما أقول بأن البارزاني كـان مطلعاً على مثل هذا الشعور أورد مثلاً على ذلك، فعند اندلاع القتال من جديد سنة 1965 ونتيجة توسط البعض وحرصاً منه على المصلحة العامة ومصلحة الثورة، فقـد وافق البارزاني على عودة المنشقين والانضمام لصفوف الثورة ثانية، في شهر مايس من سنة 1965 قمت بالسفر من قلعة دزه الى منطقة گلاله لزيارة البـارزاني لبعض الشؤون وقد قابلته في منطقة سه ركران، عندما كان يقابل أحد الصحفيين الاجانب وجلست أثناء المقابلة وقد أعجبتني أجاباته وكان يقوم بالترجمة حسبما أعتقد محمد محمود عبدالرحمن الملقب ب(سامي عبدالرحمن)، وكان يعمل ذلك الوقت في قسم الاعـلام العائد للحزب والذي كان يديره الشاعر المرحوم هه زار ثم الشهيد صالح اليوسفي، وبعد انتهاء المقابلة غادر الصحافي مع المترجم وبقيت أنا مع البارزاني وبعد أن عرضت عليـه الأمور التي واجهـته من أجلها وافق عليها وأمر بقضائها لي، ثم سألته عن عودة المنشقين والطريق التي يعودون منها فأجابني قائلأ: انه يفضل طريق حاجى عمران وبعد ذلك يوزعون على مناطق عملهم ولايفضل طريق ماوه ت أو قلعة دزه لكي لايكون مرورهم مباشرة بالمكتبين السياسي والتنفيذي ولكي لايكون هنالك أي أحراج بالنسبة لي ولأمثالي المتعاطفين معهم، وذكر اسم حبيب محمد كريم ايضاً الذي اصبح سكرتيراً للجنة المركزية بعـد المؤتمر السادس، وكان البارزاني -رحمه الله- يقدر ويتـفهم سبب تعاطفنا في ذلك الوقت، وقد أنتهى ذلك التعاطف في كانون الثاني سنة 1966 بعد اتخاذ المنشقين موقفاً حدياً من الثورة وبعد أن أنضموا الى الجبهة المعادية للثورة.

قسم العدل(2)

بعد تنسيبي لمسؤولية القسم العدلي بعد المقر السادس، باشرت بعملي في ذلك المكتب وأخذت بتنظيم الحاكم على أسس أصولية وقانونية قدر الأمكان وعلى قدر توفر الكوادر القانونية أو شبه القانونية وتم تأسيس المحاكم وتوزيع الكوادر في معظم المناطق، وللحقـيقة كان البارزاني خير سند لأجل تحقيق هذا الغرض فكان يريد نشر العدالة وسيادة القانون ومكافحة الجرائم، وكـذلك الأخوة الآخرون في المكتب السياسي والمكتب التنفيذي لمجلس قـيادة الثورة الكوردية فيما بعد وعند تشكيله، وكنت أقضي جل وقتي في ترتـيب هذه الاوضاع وأحياناً كنت أقوم بنفسي بمهمة المحاكم اذا اقتضت الضرورة ذلك، وفي بعض الحالات وبعض القضايا الخاصة.

 

 

كنت أكلف في بعض الاحيان بأداء بعض المهمات الخاصة في منطقة أربيل وحل المشاكل التي حدثت بين الادارة والجيش من جهة وبين البيشمركة من جهة أخرى، ,كانت هذه المهمة دوماً ناجحة وهذه المشاكل قابلة للحل، وذلك بوجود العميد الركن عبدالمنعم المصرف على رأس الادارة كمتصرف -محافظ ـ وكذلك العميد الركن كمال مصطفى على رأس وحدات الجيش المرابطة في أربيل كآمر للواء الثالث، فكان هاذان الشخصان يتعاونان بكل معنى الكلمة لحل هذه المشاكل بعيداً عن العنف والاجراءات الرسمية وكانت تنتهي هذه الأمور دوماً بما يضمن مصلحة جميع الاطراف وبما يضمن الأمن والاستقرار في المنطقة.

 

قد يعجبك ايضا