من التوصيف إلى الإقصاء: فوضى التسميات في الخطاب

امجد عبدالكريمً

في سياقٍ يتسم بتعدد المكونات والأطياف داخل المجتمع العراقي، تبرز أهمية الخطاب العام بوصفه مساحة يفترض أن تسهم في تعزيز التفاهم المشترك وخدمة الصالح العام، وصون السلم الأهلي، وحماية النسيج الاجتماعي من أي خطاب قد يقود إلى الاستقطاب أو التشظي. ومن هنا تكتسب مسألة اللغة، وما تحمله من تسميات ومفردات، أهمية تتجاوز الجانب التعبيري إلى كونها عاملاً مؤثرًا في تماسك المجتمع أو تفككه. فحين تتحول بعض المفردات إلى أدوات تصنيف قاسية، فإنها لا تبقى ضمن إطار الجدل السياسي، بل تمتد لتؤثر في العلاقات الاجتماعية اليومية، وتعيد تشكيل نظرة الأفراد بعضهم إلى بعض. وفي هذا السياق يلفت الأستاذ الدكتور رجاء أحمد آل بهيش إلى البعد السيميائي لإطلاق التسميات، باعتبارها ممارسة خطابية قد تُستخدم لتكثيف المعنى وإعادة إنتاجه ضمن سياقات دعائية أو جدلية.
في هذه البيئة، سواء داخل غرف الاجتماعات السياسية أو في دوائر الإعلام والتحليل، تُختبر الكلمات من زاوية قدرتها على الاختصار والتأثير. يُطرح سؤال جوهري: ما المفردة التي يمكن أن تختصر موقفًا سياسيًا أو خصومة معقدة في صورة ذهنية سريعة؟ وما المصطلح الذي يمنح المتكلم شرعية رمزية أو أخلاقية دون الحاجة إلى تفصيل طويل؟ هنا تظهر ما يمكن تسميته ب (تقنية التسمية) التي لا تكتفي بوصف الواقع، بل تعيد تشكيله في قالب مبسط يسهل تداوله.
فعلى سبيل المثال، بعض التسميات التي تتداول في الخطاب السياسي والإعلامي تتحول مع الوقت إلى قوالب جاهزة تُستخدم للحكم المسبق، مثل مفردات تُشير إلى «الولاء أو الخيانة»، أو «الإصلاح أو الفساد»، أو غيرها من الثنائيات التي تُقدَّم أحيانًا بصورة قطعية. المشكلة لا تكمن في وجود المفردة بحد ذاتها، بل في تحولها إلى أداة إقصاء رمزي، تُستخدم لتصنيف الأشخاص أو الجماعات دون العودة إلى الوقائع أو السياقات. ومع تكرارها، تخرج هذه المفردات من كونها آراء إلى كونها «مسلمات» يتبناها جزء من الرأي العام، ما يوسع دائرة التأثير السلبي على التماسك الاجتماعي.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في كونها لا تتوقف عند حدود اللغة، بل تمتد إلى تشكيل الإدراك العام. فحين تتكرر تسمية معينة في الإعلام ووسائل التواصل، تتحول تدريجيًا إلى عدسة جاهزة يُنظر من خلالها إلى الآخرين، بما يضعف فرص الفهم المتبادل، ويزيد من قابلية الانقسام داخل المجتمع. ومع الوقت، قد تنتقل هذه التسميات من الفضاء السياسي إلى الفضاء الاجتماعي، لتُستخدم في الحياة اليومية، ما يخلق بيئة من الشك المتبادل ويضعف الثقة بين المكونات المختلفة.
ومن المهم التأكيد على أن المجتمع، بمختلف أطيافه، يمكن أن يتفق على نبذ الخطاب القائم على الوصم والتسميات الجارحة، لأن خطورته لا تنعكس على طرف دون آخر، بل تطال الجميع عبر تفكيك الثقة العامة وإضعاف الروابط الاجتماعية. فالكلمة حين تتحول إلى أداة إدانة مسبقة، تفقد قدرتها على التفسير وتتحول إلى عنصر توتر، وهو ما يجعل مواجهتها مسؤولية مشتركة تتجاوز الانتماءات السياسية أو الاجتماعية.
ويُبرز د. رجاء آل بهيش أن الاشتغال على إطلاق التسميات يرتكز غالبًا على ثلاث آليات رئيسية:
الاختزال: تحويل الظواهر المركبة إلى مفردة واحدة أو شعار مختصر، مما يقلل من مساحة التحليل التفصيلي.
الشحنة الدلالية: إذ تُحمَّل الكلمة بإيحاءات مسبقة ذات طابع إيجابي أو سلبي، فتؤثر على المتلقي قبل التحقق من مضمونها.
إعادة الإنتاج التداولي: حيث يؤدي التكرار الإعلامي والاجتماعي إلى ترسيخ التسمية بوصفها حقيقة متداولة أو «مسلمة» في الوعي الجمعي.
ولا يقتصر أثر هذه الظاهرة على المجال السياسي فحسب، بل يمتد إلى المجال الاجتماعي أيضًا، حيث تتحول بعض المفردات إلى أدوات فرز اجتماعي غير معلن، بما يؤدي إلى توسيع فجوة الثقة بين الأفراد أو المكونات، ويضعف إمكانات الحوار المتوازن، ويجعل الاختلاف الطبيعي يتحول إلى خصومة رمزية.
في المقابل، لا يمكن القول إن كل تسمية هي بطبيعتها إشكالية، فاللغة بطبيعتها تحمل وظيفة توصيفية وتقويمية في آن واحد. إلا أن الإشكال يظهر عندما تتحول التسمية إلى بديل عن التحليل، أو عندما تُستخدم لإغلاق النقاش بدل فتحه، عبر تقديم أحكام مسبقة لا تترك مجالًا للتفكيك أو المراجعة.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى مقاربة مجتمعية وإعلامية متوازنة، تقوم على تفكيك المصطلحات وإعادة قراءتها ضمن سياقاتها، وتشجيع استخدام لغة تفسيرية دقيقة بدل المفردات المشحونة التي تختزل الواقع. كما يبرز دور الإعلام في الابتعاد عن إعادة إنتاج خطاب الإقصاء، واعتماد لغة مهنية تُسهم في التهدئة لا في التصعيد، إلى جانب دور المؤسسات التربوية والثقافية في تعزيز الوعي بخطورة الكلمة وتأثيرها على السلم المجتمعي.

بهذا المعنى، تصبح مواجهة (فوضى التسميات) ليست مجرد مسألة لغوية، بل مشروعًا لحماية المجتمع من الاستقطاب الرمزي، وترسيخ ثقافة الحوار، وبناء وعي جمعي أكثر توازنًا، يتعامل مع الاختلاف بوصفه حالة طبيعية لا مبرر لتحويلها إلى تصنيف أو إدانة مسبقة

قد يعجبك ايضا