نبيل عبد الأمير الربيعي
في مشهد إقليمي ودولي معقد، تبدو الحرب بكل ما تحمله من شعارات وأهداف عاجزة عن تحقيق ما أعلنت من أجله. فحتى الآن، لم تفض المواجهات إلى نتائج حاسمة، بل كشفت عن مفارقة لافتة: صمود إيراني في وجه الضغوط، مقابل عجز واضح لدى خصومها عن حسم المعركة وفق حساباتهم المسبقة.
أحد أبرز ملامح هذه المفارقة يتمثل في احتفاظ إيران بقدراتها الصاروخية، واستمرار تأثيرها الاستراتيجي في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز، الذي يعد شرياناً أساسياً للتجارة العالمية والطاقة. هذا الواقع لم يغير فقط موازين القوة، بل فرض معادلة جديدة عنوانها: لا غالب ولا مغلوب، بل توازن قلق يفرض نفسه على الجميع.
في ظل هذا المشهد، تبرز عدة سيناريوهات محتملة. أولها، استمرار وقف إطلاق النار، مع إمكانية تمديده كخيار عقلاني يجنب الأطراف الانزلاق نحو مواجهة أوسع. هذا السيناريو قد يترافق مع محاولات لتقليص الفجوات تدريجياً، عبر إنجاز أجزاء من اتفاق محتمل وتأجيل القضايا الأكثر تعقيداً، في نهج براغماتي يقدم الممكن على المثالي.
أما السيناريو الثاني، فهو استئناف الحرب، وهو خيار لا يبدو فقط خطيراً، بل أقرب إلى الجنون السياسي. إذ أن أي تصعيد جديد قد يدفع المنطق وربما العالم نحو كارثة مفتوحة، حيث تتسع دائرة العنف ويغيب أي أفق للحل. وقد ارتبط هذا المسار بخطابات متشددة، مثل تلك التي صدرت عن دونالد ترامب، والتي حملت تهديدات بالغة القسوة، وصلت إلى حد التلويح بتدمير شامل، ما يعكس طبيعة الانزلاق المحتمل حين يغيب التعقل.
السيناريو الثالث يتمثل في مواصلة الحصار وتشديده، وهو خيار يعتمد على استنزاف الخصم بدل مواجهته المباشرة. غير أن هذا النوع من الحروب غير المتناظرة يحمل في طياته مفارقة أخرى؛ فبينما يقاس الإنجاز لدى إيران بقدرتها على الصمود والحفاظ على تماسكها الداخلي، يقاس الفشل لدى الطرف الآخر بعدم قدرته على تحقيق أهدافه رغم التفوق العسكري والاقتصادي.
إن ما تكشفه هذه المعادلات هو أن الحرب، في صورتها الحالية، لم تعد أداة فعالة لفرض الإرادات، بل تحولت إلى عبء ثقيل على جميع الأطراف. ومن هنا، يبرز السلام ولو بصيغته المؤقتة أو الجزئية كخيار ليس مثالياً، لكنه ضروري.
في النهاية، قد لا يكون الطريق إلى السلام بين إيران والولايات المتحدة مفروشاً بالثقة، لكنه قد يكون مفروضاً بميزان المصالح. فحين تعجز الحرب عن الحسم، يصبح التفاوض—ولو تحت ضغط الواقع—اللغة الوحيدة القادرة على كسر دائرة النار، وفتح نافذةٍ نحو استقرارٍ طال انتظاره