بين الهزيمة والنصر… حين تزوَّر الحقائق وتغتال المعاني

نبيل عبد الأمير الربيعي

في بلدان أرهقتها الحروب وتناوبت عليها الأزمات، لم يعد النصر مفهوماً ثابتاً يقاس بما تحقق من أمن أو ما صان من كرامة الإنسان، بل تحول في الكثير من الأحيان إلى رواية تصاغ في دهاليز السلطة، وتبث عبر منابر الخطاب الموجه، حتى يغدو الوهم حقيقةً في أذهان البعض.

لم يعد السؤال ماذا بقي من الوطن؟ بل من بقي على الكرسي؟ ولم يعد الميزان كم نجا من الناس؟ بل كم ربح تجار الحروب من نفوذ واتساع؟

تدمر المدن، وتطفأ أنوار البيوت، ويهجر الأبرياء من أرض كانت لهم حياة، ثم يخرج صوت بارد، مفعم بالثقة المصطنعة، ليعلن: لقد انتصرنا! أي نصر هذا الذي يشيد على أنقاض البيوت؟ وأي فوز ذاك الذي تدفع كلفته من دماء البسطاء وأحلامهم؟!

إنه فن متقن، فن تحويل الهزائم إلى انتصارات. فن يقوم على إعادة تسمية الأشياء، فالهزيمة تلبس ثوب الصمود، والخراب يعاد تعريفه كتضحية، واستمرار السلطة يسوق بوصفه نصراً تاريخياً.

وفي خضم هذا التزييف، يطلب من الناس أن يصفقوا، لا أن يسألوا، وأن يقتنعوا، لا أن يفكروا. غير أن الحقيقة، مهما طال تغييبها، لا تموت.

فالنصر الحقيقي لا يقاس ببقاء الحاكم، ولا بعلو صوت السلاح، ولا باستمرار الضجيج فوق الركام. النصر الحقيقي هو أن يبقى الوطن متماسكاً، وأن يعود المهجّر إلى بيته، وأن يشعر الإنسان بالأمان في أرضه، لا بالغربة فيها. النصر أن تصان الدولة من عبث سماسرة الدم، وأن تحمى مؤسساتها من تغول المصالح الضيقة، وأن يكون القرار فيها لصالح الناس، لا على حسابهم. النصر أن يعاد للإنسان اعتباره، لا أن يختزل إلى رقم في نشرات الأخبار.

بين الهزيمة والنصر، مساحة واسعة من التضليل، لكن أيضاً مساحة أوسع من الوعي الممكن. وما لم يدرك الناس الفرق بين حقيقة النصر وزيفه، ستبقى الهزائم تتكرربأسماء مختلفة، وشعارات أكثر بريقاً، ووجع أشد عمقاً.

قد يعجبك ايضا