ليست أزمة تنوع… بل أزمة إدارة للتنوع في العراق تسييس الهوية بين الذاكرة التاريخية والمنافسة على السلطة
د. جوتيار تمر
اقليم كوردستان 7-8-2026
ليست المشكلة في تعدد الهويات العراقية، بل في أن السياسة تعلمت كيف تستثمرها؛ فكلما تعثرت الدولة، وضاقت قنوات المشاركة، وتراجعت الثقة بالمؤسسات، عادت الهويات القومية والدينية والمذهبية لتصبح اللغة التي يفسر بها العراقيون خلافاتهم، ويطالبون من خلالها بالحماية والتمثيل والموارد، لا يشهد العراق اليوم مجرد تصاعد في الخطابات القومية أو المذهبية، بل يمر بمرحلة استعادت فيها الهويات الفرعية حضورا لافتا في المجالين السياسي والاجتماعي؛ فمن الخلافات الكلدانية-السريانية-الاشورية، إلى الجدل حول هوية الايزيديين، مرورا بالتوترات العربية-الكوردية والتركمانية، وصولا إلى الانقسامات المذهبية داخل المكون العربي، تبدو الهوية وكأنها أصبحت الاطار الذي تفسر من خلاله كثير من الخلافات التي تشهدها البلاد.
غير أن قراءة هذه الظاهرة بوصفها عودة لصراعات تاريخية، أو تعبيرا عن عداء متأصل بين المكونات، لا تكفي لفهم ما يجري، لأن الهويات لا تنشط في المجال العام بمعزل عن السياقات السياسية والاجتماعية، وإنما يزداد حضورها عندما تشعر الجماعات بالتهديد، أو حين تجد النخب في استدعائها موردا للتعبئة، أو عندما تضعف الاطر الوطنية القادرة على استيعابها.
تنطلق هذه القراءة من فرضية أساسية مفادها أن الهوية لا تشكل، في ذاتها، سببا للصراع، وإنما تتحول إلى أداة للصراع حين تسيس، أو تربط بالمنافسة على السلطة والموارد والشرعية والتمثيل، فالهويات القومية والدينية والمذهبية تؤدي وظائف ثقافية واجتماعية مشروعة، لكنها تكتسب طابعا صداميا عندما يجري توظيفها في ظل ضعف المواطنة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، واحتدام التنافس السياسي، وبناء على ذلك، فإن الازمة العراقية ليست ازمة تنوع في حد ذاته، بل ازمة ادارة سياسية ومؤسسية لهذا التنوع، إذ تتحول الهويات إلى مصادر للتوتر عندما توظف في المنافسة على السلطة والموارد والتمثيل، وحين تعجز الدولة عن تقديم المواطنة بوصفها اطارا جامعا وعادلا.
ويعد العراق من أكثر بلدان المنطقة تنوعا من حيث القوميات والاديان والمذاهب، وهو تنوع لم يكن، في معظم مراحله التاريخية، سببا دائما للصراع، بل أسهم في تشكيل فضاء اجتماعي وثقافي غني ومتشابك.. فالتعدد في حد ذاته ليس أزمة، وإنما تظهر الاشكالية عندما يصبح الانتماء القومي أو الديني أو المذهبي معيارا للمنافسة على السلطة والموارد والشرعية السياسية؛ ففي مثل هذه السياقات تغدو الهويات أكثر قابلية للتسييس، ويعاد توظيفها في التنافس السياسي، دون أن تفقد بالضرورة وظائفها الثقافية والاجتماعية، وقد تتحول الهوية، في ظل غياب الثقة بالمؤسسات، إلى مصدر للحماية والاعتراف، أو إلى وسيلة لتفسير الحرمان وتحديد المسؤولية، ولا سيما عندما يشعر الافراد والجماعات بأن الدولة لا توفر لهم المساواة أو الامن أو فرص المشاركة.
لقد واجهت الدولة العراقية الحديثة، منذ تأسيسها، اشكالية مستمرة تمثلت في التوفيق بين مشروع وطني جامع وواقع اجتماعي شديد التنوع. إلا أن هذا التحدي اكتسب ابعادا أكثر تعقيدا بعد عام 2003، حين أعيد تنظيم الحياة السياسية وفق منطق المحاصصة والتمثيل الهوياتي، فأصبح الانتماء القومي أو المذهبي مدخلا رئيسيا للمشاركة في السلطة وتوزيع النفوذ والموارد، ومع مرور الوقت، أخذت الانتماءات القومية والمذهبية تؤدي دورا أكثر بروزا في التعبئة السياسية، مع اتساع اعتماد القوى المتنافسة على الخطابات الهوياتية في بناء الشرعية وحشد الانصار، وهو ما أتاح للنخب مساحة أوسع لتوظيفها في الصراع على النفوذ والمواقع، ولم تعد الهوية مجرد تعبير عن الانتماء الثقافي أو الاجتماعي، بل غدت في كثير من الاحيان لغة سياسية تستخدم لتحديد من يحق له التمثيل، ومن يستحق الموارد، ومن يمتلك حق تعريف الجماعة والتحدث باسمها.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن العوامل الاقتصادية؛ فمظاهر الفساد، والتفاوت في التنمية، وضعف الخدمات العامة، والمنافسة على فرص العمل، وتوزيع الموازنات، والثروة النفطية، كلها تسهم في زيادة قابلية المجتمع للتعبئة الهوياتية، وعندما لا تجد المظالم المعيشية معالجة مؤسسية عادلة، يعاد تقديمها في صورة مطالب قومية أو مذهبية أو مناطقية، فيصبح التنافس على الموارد امتدادا للتنافس على الهوية، ومن هنا، فإن تفسير تصاعد النعرات القومية والمذهبية بوصفه امتدادا لخلافات تاريخية لا يقدم سوى جزء من الصورة، كما أن رده بالكامل إلى ضعف الدولة يبقى تفسيرا غير كاف، فما يشهده العراق اليوم هو نتيجة تفاعل معقد بين هويات تحمل ذاكرتها الجمعية، ودولة لم تستطع ترسيخ المواطنة بوصفها المرجعية العليا، ونخب سياسية وجدت في استثمار المخاوف الهوياتية وسيلة أكثر فاعلية من بناء البرامج الوطنية، مع عدم التغافل عن الاجندات الخارجية الساعية إلى الابقاء على تلك النعرات وفق مصالحها، وفي ظل هذا التفاعل، يعاد انتقاء بعض عناصر الهوية وإعادة تأويلها تبعا للسياق السياسي ومتطلبات التنافس، بما يمنحها ادوارا تتجاوز بعدها الثقافي، ويجعلها أكثر حضورا في عمليات التعبئة والاستقطاب.
وقد يرى بعض المتابعين أن الخلافات العراقية لا يمكن ردها إلى تسييس الهوية وحده، لأن بعضها يستند إلى ذاكرة تاريخية عميقة، وتجارب متراكمة من الاقصاء والعنف والتمييز، وهذا الرأي ينطوي على قدر من الصواب، إذ لا يمكن انكار اثر التاريخ في تشكيل تصورات الجماعات عن ذاتها وعن الاخرين، غير أن الذاكرة التاريخية لا تتحول بالضرورة إلى صراع سياسي مستمر، بل تحتاج إلى سياق مؤسسي وسياسي يعيد تنشيطها ويوجهها نحو التعبئة والمنافسة، ولذلك، فإن المشكلة لا تكمن في وجود الذاكرة، وإنما في الطريقة التي تنتقى بها عناصرها وتوظف في الحاضر، فالتاريخ قد يفسر نشوء بعض الحساسيات، لكنه لا يفسر وحده توقيت ظهورها، ولا كيفية انتقالها من المجال الرمزي إلى مجال الصراع على السلطة والموارد والتمثيل.
ويجسد الخلاف الكلداني-السرياني-الاشوري التداخل بين الذاكرة التاريخية والهوية الدينية واللغوية والثقافية والواقع السياسي المعاصر، فالنقاش لا يدور حول التسمية والجذور التاريخية فحسب، بل يمتد إلى سؤال التمثيل السياسي والرمزي، ومن يمتلك حق التحدث باسم هذه الجماعات في مؤسسات الدولة والمجال العام، ومع أن الكلدان والسريان والاشوريين يتقاطعون في اللغة والتاريخ والجغرافيا، فإنهم يختلفون في الانتماء الكنسي، والتجربة التاريخية، والرؤية القومية، وطرائق تعريف الذات، الامر الذي يجعل اختزالهم في هوية واحدة موضع خلاف مستمر، ولا ينشأ التوتر من التعدد في حد ذاته، بل من انتقال الاختلاف من المجال الثقافي إلى مجال التنافس على الشرعية والنفوذ والتمثيل، وحين تستثمر بعض النخب هذه الفروق في التعبئة السياسية، تتحول الذاكرة التاريخية من مجال للتنوع الثقافي إلى مورد للصراع، ويغدو كل اسم مدخلا لاثبات الاحقية ونفي رواية الاخر، كما ان بعض القوى الخارجية قد تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إعادة تنشيط هذه الخلافات وتضخيمها، من خلال الدعم السياسي، أو توجيه الخطاب الاعلامي، أو بناء علاقات مع قوى محلية، أو توظيف هذه الانقسامات في صراعات النفوذ والتمثيل، غير ان هذا العامل لا يلغي الجذور الداخلية للخلاف، بل يزيدها حدة في سياقات سياسية واجتماعية قابلة للاستقطاب، فالقضية لا تتعلق بالتسمية بوصفها مسألة لغوية أو تاريخية فقط، بل بما يترتب عليها من حقوق وتمثيل ومكانة سياسية، وهنا ينتقل الاختلاف من مستوى التعريف والانتماء إلى مستوى التنافس على النفوذ والشرعية.
أما العلاقة بين الكورد والايزيديين، الذين تتباين مواقفهم من حيث الانتماء القومي والديني والولاء السياسي، فتحتاج إلى مقاربة تتجاوز اختزالها في صراع هوياتي ثنائي، لأن المسألة تتصل ايضا بانقسام هوياتي داخل المجتمع الايزيدي نفسه، فقد تناولت كتابات تاريخية واثنوغرافية قديمة الايزيدية بوصفها ديانة وجماعة دينية متميزة، لكنها وصفت اتباعها في الوقت نفسه بأنهم كورد أو ناطقون بالكوردية، وربطتهم بالمجال الجغرافي والثقافي الكوردي، ومع ذلك، يرى اتجاه ايزيدي أن الخصوصية الدينية والتاريخية والثقافية للايزيديين تؤسس لهوية مستقلة، في حين يرى ايزيديون اخرون أنهم جزء من القومية الكوردية مع احتفاظهم بخصوصيتهم الدينية، بينما يتبنى ايزيديون اخرون انتماءات قومية أو سياسية مختلفة، تبعا للغة والبيئة الاجتماعية والتجربة التاريخية ومصادر الانتماء، وقد اسهم هذا التعدد في الرؤى في انتاج مواقف متباينة من العلاقة مع الكورد وبغداد والقوى المحلية والاقليمية، كما ادى إلى انقسام في الولاءات السياسية، بحيث لم يعد الخلاف مقتصرا على تعريف الهوية، بل امتد إلى تحديد الجهة التي تمثل الايزيديين، وتوفير الحماية لهم، وادارة مناطقهم، وتقرير مستقبلها السياسي.
وقد شكلت كارثة شنگال عام 2014 نقطة تحول مفصلية في هذا السياق، إذ لم تقتصر اثارها على المأساة الانسانية، بل اعادت طرح اسئلة الهوية والامن والادارة والتمثيل بصورة اكثر حدة، وتزداد تعقيدات الملف بسبب الموقع القانوني والاداري لشنگال، بوصفها من المناطق المتنازع عليها بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كوردستان، الامر الذي جعلها ساحة تتقاطع فيها مصالح بغداد واربيل وقوى محلية واقليمية متعددة، ومن ثم، فإن التباين داخل المجتمع الايزيدي لا يمكن تفسيره بوصفه انقساما هوياتيا خالصا، ولا بوصفه خلافا سياسيا عابرا، بل هو نتيجة تفاعل بين تصورات متباينة للذات الايزيدية، وانتماءات قومية وسياسية متعددة، وتجارب مختلفة في علاقتها بالدولة والقوى المحيطة، وهكذا أصبحت الهوية في هذا السياق مجالا للتعبير عن الخوف والبحث عن الحماية وتحديد الولاء، بقدر ما هي تعبير عن الذاكرة والثقافة والانتماء، وتكشف الحالة الايزيدية أن الخلاف لا ينشأ دائما بين جماعتين مختلفتين، بل قد يظهر داخل الجماعة الواحدة عندما تتعدد تصوراتها عن ذاتها، وتتباين رؤاها بشأن الدولة والامن والمستقبل السياسي، كما تكشف أن قضايا الهوية تصبح اكثر حساسية عندما ترتبط بالتهجير والحماية والادارة وحق تقرير المستقبل.
أما الملف العربي-الكوردي، فينقل النقاش من سؤال التمثيل داخل الجماعة إلى سؤال العلاقة بين المكونات وبنية الدولة، بما يوضح أن تسييس الهوية يتخذ صورا مختلفة تبعا للسياق السياسي والقانوني والجغرافي، ويظل الملف العربي-الكوردي أكثر ملفات الهوية ارتباطا ببنية الدولة العراقية، لأنه يتصل بقضايا دستورية وسياسية واقتصادية لم تحسم بصورة نهائية، مثل ادارة المناطق المتنازع عليها، ومستقبل كركوك، وتقاسم الموارد الطبيعية، وحدود الصلاحيات بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كوردستان، ولذلك، فإن هذا الملف لا يعكس مجرد اختلاف قومي، بل يكشف كيف تتداخل اسئلة الهوية مع طبيعة النظام السياسي واليات توزيع السلطة. وتزداد الصورة تعقيدا مع الحضور التاريخي الحديث للتركمان في كركوك والمناطق المختلطة، لتغدو المدينة نموذجا مكثفا لتشابك الانتماءات المحلية مع المصالح الوطنية والتجاذبات الاقليمية، حيث يصبح أي تحول سياسي أو اداري قابلا لان يقرأ من زوايا هوياتية مختلفة.
ولا يقتصر الحضور التركماني في هذا الملف على كون التركمان طرفا ضمن التنافس على كركوك، بل يمتلكون ايضا خطابا هوياتيا خاصا يتصل بالتمثيل السياسي، والحقوق الثقافية واللغوية، والحفاظ على الوجود التاريخي في المناطق المختلطة. ولذلك، فإن أي معالجة للملف العربي-الكوردي لا تضع المكون التركماني في الاعتبار تظل معالجة ناقصة، لأن المدينة لا تختزل في ثنائية قومية واحدة، بل تشكل فضاء تتقاطع فيه هويات ومصالح وذاكرات متعددة، فالقضية لا تتعلق فقط بمن يملك حق ادارة المدينة أو تمثيل سكانها، بل تتصل ايضا بالذاكرة التاريخية، والموارد، والحدود الادارية، وتوازنات القوة بين الاطراف المختلفة. وهنا تظهر الهوية بوصفها جزءا من نزاع على الدولة ذاتها، لا مجرد تعبير عن اختلاف اجتماعي، كما ان غياب قواعد مستقرة وعادلة لادارة هذا التعدد يجعل كل تسوية سياسية قابلة لان تفسر بوصفها انتصارا لجماعة وهزيمة لاخرى.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على العلاقة بين القوميات المختلفة، بل تمتد إلى داخل المكون العربي نفسه، حيث تكشف التوترات المذهبية ان الازمة العراقية اوسع من ان تختزل في الانقسام القومي، ويظهر تسييس الهوية المذهبية بصورة اكثر وضوحا في الانقسام السني-الشيعي، ولا سيما بعد عام 2003، حين انتقلت الطائفية من كونها انتماء اجتماعيا ودينيا إلى اطار لتنظيم التمثيل السياسي وتوزيع السلطة، وقد اسهمت سياسات الاقصاء والعنف المتبادل، إلى جانب انهيار الثقة بالمؤسسات، في تحويل المخاوف المذهبية إلى مواقف سياسية وامنية، كما ان التنافس على رئاسة المؤسسات، والموارد، والمناصب، ومناطق النفوذ، كثيرا ما جرى التعبير عنه بلغة مذهبية – ولائية -، الامر الذي جعل الخلاف السياسي يبدو في بعض مراحله صراعا على وجود الجماعة ومكانتها، لا مجرد خلاف على البرامج والسياسات.
وعندما تتراجع الثقة بالمؤسسات، وتضعف قدرة الدولة على ادارة الخلافات، تميل الجماعات إلى البحث عن الحماية داخل دوائرها الاولية، سواء كانت طائفية أو عشائرية أو حزبية، وعندئذ تكتسب الخلافات السياسية ابعادا هوياتية تجعلها اكثر تعقيدا، لان التنافس لا يعود يدور حول السياسات وحدها، بل يمتد إلى اسئلة الوجود والتمثيل والاعتراف، كما يصبح الوصول إلى السلطة وسيلة لتأمين الجماعة، لا مجرد ممارسة سياسية قابلة للتداول، ولا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن البيئة الاقليمية والدولية، فالعراق يقع في منطقة تتشابك فيها المصالح والاستراتيجيات، الامر الذي جعل قواه الداخلية عرضة لتأثيرات خارجية متفاوتة، وقد وجدت بعض القوى الاقليمية والدولية في الانقسامات العراقية فرصة لتعزيز نفوذها أو حماية مصالحها، عبر الدعم السياسي، والتأثير في وسائل الاعلام، وبناء علاقات مباشرة مع القوى المحلية، ودعم جماعات أو روايات سياسية معينة، وربط الملفات العراقية بصراعات اقليمية اوسع.
غير أن هذه التدخلات لم تكن لتكتسب هذا القدر من التأثير لولا وجود بيئة داخلية قابلة للاستقطاب؛ فالعامل الخارجي يستطيع تعميق الانقسام، وتوسيع نطاقه، ومنح بعض اطرافه موارد سياسية وامنية واعلامية، لكنه لا ينشئ الازمة من الاساس إذا لم تكن هناك مؤسسات ضعيفة، ونخب مستعدة لتوظيف الانقسامات، وجماعات تشعر بالخوف أو التهميش، أو ترتبط مصالحها وولاءاتها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتلك الاجندات الخارجية، ومن ثم، فإن العامل الخارجي يسهم في تعميق الازمة وتوسيعها اكثر مما ينشئها من الاساس.
ومن زاوية اخرى، يبدو أن توقيت تصاعد هذه النعرات ليس امرا عفويا، فهي تبرز عادة في المراحل التي تشهد اضطرابا سياسيا، أو ازمات اقتصادية، أو انسدادا في الافق الوطني، أو حين تتداخل الازمات الاقليمية والدولية مع الشأن العراقي، فتسعى بعض القوى إلى حماية مصالحها عبر تغذية الانقسامات واستثمار الخطابات الهوياتية، ففي مثل هذه الظروف تتراجع قدرة الدولة على انتاج الثقة، وتضعف الروابط الوطنية الجامعة، بينما تستعيد الانتماءات الاولية حضورها بوصفها مصادر للامان والاعتراف، ولهذا، فإن تنامي الخطابات القومية أو المذهبية في العراق يرتبط بالسياق الذي تعيشه البلاد بقدر ارتباطه بالارث التاريخي الذي تحمله الجماعات المختلفة، فالهوية قد تبقى حاضرة في الذاكرة والثقافة من دون أن تتحول إلى نزاع سياسي، لكنها تصبح قابلة للاستثمار عندما تتزامن الازمات الاقتصادية مع ضعف المؤسسات وانسداد قنوات المشاركة، وتنسجم هذه القراءة مع دراسات تربط ازمة الهوية في العراق بضعف الاندماج الوطني، واختلال التوزيع، وتراجع المشاركة والشرعية السياسية.
ولا تقل البنية المؤسسية للدولة اهمية عن العوامل السياسية والاجتماعية في تفسير هذه الظاهرة، فالمؤسسات التي تفتقر إلى العدالة والفاعلية لا تستطيع ادارة التنوع بصورة متوازنة، كما ان غياب اليات واضحة لتوزيع السلطة والموارد يفتح المجال امام الجماعات للبحث عن ضمانات خارج الاطار الوطني، وعندما لا يشعر المواطنون بالمساواة امام القانون، تصبح الهويات الفرعية اكثر قدرة على ملء الفراغ الذي تتركه الدولة، وتتحول المطالب السياسية من مطالب حقوقية قابلة للتفاوض إلى قضايا وجودية يصعب التوصل بشأنها إلى حلول وسط. وفي هذه الحالة، لا يعود الصراع متعلقا فقط بما تفعله الدولة، بل بما تعجز عن فعله ايضا.
وتبين المقارنة بين تجارب الدول المتعددة أن التنوع لا يقود بالضرورة إلى الصراع أو التفكك، فقد استطاعت بعض الدول ذات التعدد القومي أو الديني أن تحد من اثاره الصراعية من خلال مؤسسات دستورية عادلة، وضمانات واضحة للحقوق، وقواعد مستقرة لتوزيع السلطة، بينما فشلت دول اخرى حين تحولت الهويات إلى أدوات للمنافسة السياسية، وحين أصبح الانتماء الاولي طريقا إلى الموارد والنفوذ والحماية، ولا يكمن الفارق، إذن، في مقدار التنوع، بل في طبيعة المؤسسات التي تديره، وفي مدى قدرة النظام السياسي على منع تحويل الاختلاف إلى امتيازات مغلقة أو مصادر دائمة للاستقطاب، فالدول المتعددة لا تستقر بانكار الفروق، وإنما بتحويلها إلى حقوق منظمة، ومشاركة سياسية عادلة، وقواعد دستورية تمنع احتكار الدولة من قبل جماعة أو مكون، ومن ثم، فإن ادارة التنوع لا تعني مجرد منح المكونات حصصا في مؤسسات الدولة، كما لا تعني تثبيت المحاصصة بوصفها نظاما دائما لتوزيع السلطة، فادارة التنوع تختلف عن تقاسم السلطة، لانها تتطلب قواعد دستورية تضمن المساواة، ومؤسسات مستقلة تفصل في النزاعات، وسياسات تنموية عادلة، وضمانات لحماية الحقوق الثقافية والدينية والقومية.
كما تختلف ادارة التنوع عن اللامركزية، التي تتعلق بتوزيع الصلاحيات بين المركز والوحدات المحلية، مع ان اللامركزية قد تكون إحدى وسائل ادارة التنوع عندما تطبق ضمن اطار قانوني واضح، أما المواطنة الدستورية، فتمثل الاطار الذي يجعل الانتماءات المختلفة متساوية امام القانون، ويمنع تحولها إلى امتيازات سياسية مغلقة أو أدوات للاقصاء، مع الحفاظ على الهويات، ومن هذا المنظور، فإن تقاسم السلطة قد يكون وسيلة مؤقتة لمنع الاحتكار وطمأنة المكونات، لكنه لا يكفي لبناء دولة مستقرة إذا تحول إلى محاصصة دائمة تعيد انتاج الانقسام، كما ان اللامركزية لا تحقق اهدافها إذا استخدمت لترسيخ العزلة المناطقية أو تحويل الادارات المحلية إلى مراكز نفوذ مغلقة، إن ادارة التنوع الناجحة تتطلب الجمع بين الاعتراف بالخصوصيات وحماية المساواة العامة، وبين توزيع الصلاحيات وترسيخ وحدة القانون والمؤسسات.
إن ما يواجهه العراق اليوم ليس ازمة ناجمة عن تنوعه، بل عن الطريقة التي يدار بها هذا التنوع داخل المجال السياسي، فالتعدد القومي والديني والمذهبي كان، عبر تاريخه، احد مصادر ثرائه الاجتماعي والثقافي، لكنه يتحول إلى مجال للاستقطاب حين تصبح الانتماءات وسيلة للمنافسة على السلطة والشرعية والموارد والولااءات، وتتراجع المواطنة بوصفها الاطار الجامع، ولا يتطلب تجاوز هذه الازمة اضعاف الهويات أو انكارها، بل بناء مؤسسات عادلة واليات دستورية واضحة تضمن التمثيل المتوازن، وتحمي الحقوق، وتنظم توزيع السلطة والثروة، وتعالج الفوارق التنموية التي قد تحول الحاجات المعيشية إلى وقود للتعبئة القومية أو المذهبية.
فالمواطنة لا تصبح اطارا جامعا بمجرد اعلانها، وإنما تكتسب معناها العملي حين تسندها سيادة القانون، واستقلال المؤسسات، والعدالة في التمثيل، والمساواة في الوصول إلى الخدمات والفرص، وإذا استمرت قواعد التنافس السياسي على حالها، فإن أي ازمة اقتصادية أو انتخابية أو امنية مقبلة ستعيد انتاج الانقسامات، مهما تغيرت النخب والواجهات السياسية، إن الخطر الحقيقي الذي يواجه العراق ليس تعدد هوياته، بل استمرار النظام السياسي في مكافأة الانقسام ومعاقبة المواطنة.