عطا شميراني
في الشرق الأوسط، لا تبدأ التحولات الكبرى يوم إعلانها، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تدرك الدول أن قواعد اللعبة القديمة لم تعد كافية لحماية مصالحها. ولهذا فإن اتفاق مكة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه وثيقة دفاعية جديدة فحسب، ولا باعتباره مجرد تفاهم بين السعودية وتركيا وباكستان، بل باعتباره مؤشراً على أن الرياض تعيد النظر في الطريقة التي تريد من خلالها إدارة أمنها وموقعها داخل النظام الإقليمي.
السؤال الأهم ليس: ماذا وقّعت الدول الثلاث؟ بل: لماذا الآن؟ وماذا تريد السعودية أن تغيّر من خلال هذا الاتفاق؟
هذه النقطة هي مفتاح فهم الاتفاق.
السعودية تتحرك اليوم في بيئة إقليمية مختلفة عن تلك التي حكمت حساباتها الأمنية خلال العقود الماضية. الولايات المتحدة ما زالت شريكاً أساسياً وقوة مؤثرة في أمن الخليج، لكن الاعتماد على قوة واحدة لم يعد خياراً مريحاً لدولة تريد أن تتحول إلى قوة إقليمية أكثر استقلالاً في القرار. وفي الجهة الأخرى، إيران ما زالت تمتلك أدوات نفوذ واسعة، بينما أصبحت تركيا قوة إقليمية ذات قدرات عسكرية وتكنولوجية متقدمة، وتمتلك باكستان ثقلاً عسكرياً واستراتيجياً لا يمكن تجاهله.
وسط هذه البيئة، تبدو الرياض وكأنها لا تبحث عن حليف واحد، بل عن هندسة شبكة واسعة من العلاقات تمنحها القدرة على الحركة بين القوى المختلفة، بدلاً من وضع أمنها في سلة واحدة.
وهنا تحديداً تظهر أهمية اتفاق مكة.
فالرياض لا تقول بالضرورة إنها تريد مغادرة المظلة الأميركية، ولا تعلن أنها تبني جبهة عسكرية لمواجهة إيران. القراءة الأعمق قد تكون مختلفة تماماً: السعودية تريد أن تقلل من اعتمادها على أي طرف واحد، وأن تمتلك خيارات متعددة عندما يتعلق الأمر بأمنها ومصالحها وقراراتها السيادية.
وهذا تحول استراتيجي بالغ الأهمية.
فالدولة التي تعتمد على مظلة واحدة قد تكون قوية اقتصادياً، لكنها تصبح محدودة الخيارات عندما تتغير الظروف السياسية أو تتبدل أولويات الحليف. أما الدولة التي تبني شبكة واسعة من الشراكات، فإنها تستطيع أن تتفاوض مع واشنطن من موقع أقوى، وتتحدث مع طهران بثقة أكبر، وتتعاون مع أنقرة وإسلام آباد دون أن تضطر إلى وضع نفسها داخل محور مغلق.
ولهذا فإن الوجه الحقيقي للاتفاق قد لا يكون في بنوده العسكرية وحدها، وإنما في فلسفة الأمن الجديدة التي تقف خلفه.
السعودية تريد أن يكون لديها ردعها، وشركاؤها، وخياراتها، وقدرتها على التحرك قبل أن تجد نفسها مضطرة إلى طلب الحماية من الآخرين.
والردع هنا لا يعني الرغبة في الحرب. على العكس، الردع الناجح هو الذي يمنع الحرب قبل وقوعها. عندما يدرك الخصم أن تكلفة التصعيد ستكون مرتفعة، يصبح الحوار أكثر جدوى، وتصبح الدبلوماسية أكثر قدرة على تحقيق أهدافها. ولذلك يمكن القول إن الرياض تحاول بناء علاقة جديدة بين القوة والدبلوماسية: القوة لا تلغي الحوار، بل تمنح الحوار وزناً أكبر.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم العلاقة بين الأمن والاقتصاد في الرؤية السعودية الجديدة. فالمملكة لا تبني اقتصاداً جديداً فقط، وإنما تحاول بناء موقع جديد لها في النظام الدولي. الموانئ والطاقة والاستثمارات والبنية التحتية والمشروعات الكبرى تحتاج إلى بيئة مستقرة، والاستقرار لا يمكن ضمانه بالاقتصاد وحده.
القوة الاقتصادية تحتاج إلى قوة سياسية تحميها، والقوة السياسية تحتاج إلى قدرات دفاعية تحمي خياراتها.
لذلك، فإن اتفاق مكة يمكن أن يكون جزءاً من عملية أوسع تهدف إلى تحويل السعودية من دولة تعتمد على ترتيبات أمنية خارجية إلى قوة إقليمية تشارك في صناعة قواعد الأمن الإقليمي.
ومن هذه الزاوية، تصبح تركيا وباكستان أكثر من مجرد طرفين في اتفاق دفاعي.
تركيا تمنح الرياض عمقاً إقليمياً وتكنولوجياً، وتفتح أمامها إمكانات واسعة في مجالات الصناعة الدفاعية والتعاون العسكري، بينما تمنح باكستان بعداً عسكرياً واستراتيجياً مختلفاً، فضلاً عن علاقاتها التاريخية مع السعودية. وفي الوقت نفسه، تبقى الولايات المتحدة شريكاً أساسياً، لكن ضمن شبكة أوسع من العلاقات.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية: السعودية لا تبدو وكأنها تستبدل حليفاً بحليف، وإنما تنتقل من منطق الحليف الواحد إلى منطق تعدد الشركاء.
أما إيران، فهي الحاضر غير المعلن في كثير من الحسابات الاستراتيجية المحيطة بالاتفاق.
لكن من المهم التمييز بين بناء تحالف للحرب على إيران، وبين بناء قدرة ردع في مواجهة احتمال التصعيد الإيراني. الأول قد يقود إلى استقطاب إقليمي جديد، بينما الثاني يمنح السعودية مساحة أكبر للتحرك السياسي والدبلوماسي.
فالرياض لا تحتاج إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع طهران لكي تغير ميزان القوة معها. يكفي أن تمتلك شبكة من العلاقات والقدرات تجعل أي محاولة لفرض الإرادة عليها أكثر صعوبة وكلفة.
وهنا تظهر مفارقة استراتيجية مهمة: كلما ازدادت قدرة السعودية على الردع، ازدادت قدرتها على التفاوض.
أما واشنطن، فمن المرجح أن تقرأ هذا التحول بحسابات دقيقة. السعودية لا تقول لأميركا: «لسنا بحاجة إليكم»، بل تقول بصورة أكثر براغماتية: «نحن نحتاج إليكم، لكننا لا نريد أن يكون أمننا متوقفاً عليكم وحدكم».
وهذا ليس بالضرورة خروجاً من التحالف الأميركي، بل محاولة للحصول على قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي داخله.
فالعالم يتغير، والسياسات الأميركية تتغير مع تغير الإدارات والمصالح، ولذلك فإن تنويع الشراكات يمنح الرياض هامشاً أوسع للمناورة. الدولة التي تمتلك خياراً واحداً تكون قدرتها على التفاوض محدودة، أما الدولة التي تمتلك عدة خيارات فتستطيع أن تتفاوض مع مختلف الأطراف من موقع أكثر قوة.
ومن هنا يصبح اتفاق مكة جزءاً من سؤال أكبر من الدفاع المشترك: من سيصوغ النظام الأمني للشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة؟
هل ستبقى واشنطن صاحبة المظلة الأساسية؟ هل ستتوسع الأدوار السعودية والتركية؟ هل ستنجح إيران في الحفاظ على نفوذها؟ وهل تتجه المنطقة نحو محاور متصارعة، أم نحو شبكة من الشراكات المتقاطعة التي تتعاون فيها الدول رغم اختلافاتها؟
ومن العراق وكردستان، تكتسب هذه الأسئلة أهمية مضاعفة. فالعراق يقع في قلب هذه الجغرافيا المتشابكة، بين إيران وتركيا والخليج، وأي تغيير في ميزان القوى الإقليمي سينعكس بصورة مباشرة على بغداد وأربيل. ولذلك فإن المصلحة العراقية والكردستانية لا تكمن في الانضمام إلى محور ضد آخر، بل في امتلاك سياسة متوازنة تمنع تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وتجعله مساحة للتواصل بين القوى المتنافسة بدلاً من أن يكون ضحية لصراعاتها.
أما كردستان، فهي تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى بيئة إقليمية مستقرة، لأن أمنها واقتصادها مرتبطان بصورة وثيقة بالتوازنات بين بغداد وأنقرة وطهران ودول الخليج والقوى الدولية. وكلما اتسعت مساحة التنافس بين هذه القوى، ازدادت أهمية أن تكون كردستان جزءاً من الاستقرار، لا جزءاً من الصراع.
ومن هنا يمكن فهم الصورة الأوسع لاتفاق مكة. فالاتفاق لا يتحرك في فراغ، بل يأتي في لحظة تعيد فيها دول المنطقة حساباتها تجاه مفهوم الأمن والتحالف والردع. السعودية لا تبدو وكأنها تبحث عن حليف واحد يحل محل حليف آخر، وإنما تعمل على بناء شبكة من العلاقات المتقاطعة، بحيث تستطيع أن تتعاون مع واشنطن، وتطور شراكتها مع أنقرة وإسلام آباد، وتحافظ في الوقت نفسه على قنوات الحوار مع طهران.
وهذه ربما هي النقطة الأكثر أهمية في قراءة الاتفاق.
الرياض لا تريد حرباً مع طهران، لكنها لا تريد أيضاً أن تدخل أي مواجهة محتملة من موقع الضعف. ولا تريد التخلي عن واشنطن، لكنها لا تريد أن يكون قرارها الاستراتيجي رهناً بتغير الإدارة الأميركية أو تبدل أولوياتها. كما أنها لا تريد الارتهان لتركيا أو باكستان، بل تريد توظيف علاقاتها معهما ضمن شبكة مصالح أوسع.
بمعنى آخر، السعودية لا تستبدل مظلة بمظلة، وإنما تحاول بناء مساحة استراتيجية خاصة بها.
وهنا يصبح اتفاق مكة أكبر من مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول. إنه يعكس تحولاً في طريقة تفكير السعودية نفسها: من الاعتماد على قوة واحدة لضمان أمنها، إلى بناء شبكة متعددة من الشراكات تمنحها خيارات أوسع وقدرة أكبر على المناورة.
وفي السياسة الدولية، الخيارات قوة بحد ذاتها.
فالدولة التي لا تملك إلا خياراً واحداً تكون قدرتها على التفاوض محدودة، بينما الدولة التي تمتلك عدة خيارات تستطيع أن تفاوض من موقع مختلف، وأن تقول «نعم» عندما تتوافق المصالح، وأن تقول «لا» عندما تصبح الكلفة أعلى من الفائدة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل اتفاق مكة ضد إيران؟ وهل هو ابتعاد عن أميركا؟
السؤال الأعمق هو: هل بدأت السعودية بناء منظومة أمنها بيدها، بدلاً من الاكتفاء بالعيش تحت مظلة أمن يصنعه الآخرون؟
إذا كان الجواب نعم، فإن اتفاق مكة يمثل أكثر من تفاهم عسكري؛ إنه خطوة في مسار انتقال السعودية من دولة تتلقى الأمن إلى دولة تشارك في صناعة الأمن الإقليمي.
ومن هذه الزاوية، فإن تركيا وباكستان ليستا مجرد شريكين عسكريين، وواشنطن ليست مجرد حليف تقليدي، وطهران ليست بالضرورة عدواً مفترضاً؛ بل جميعها أجزاء من شبكة حسابات سعودية جديدة، تقوم على تنويع الخيارات، وتوسيع هامش الحركة، وربط القوة بالدبلوماسية.
وهنا يكمن الوجه الأعمق لاتفاق مكة: السعودية لا تبني جداراً ضد طرف واحد، بل تبني لنفسها مساحة استراتيجية أوسع بين القوى المتنافسة.
وفي الشرق الأوسط، امتلاك المساحة يعني امتلاك القرار.
لذلك قد لا يكون اتفاق مكة نهاية تحالف قديم، ولا بداية محور جديد، بل بداية مرحلة مختلفة في السياسة السعودية: مرحلة تريد فيها الرياض أن تكون صاحبة القرار في أمنها، وشريكاً في صناعة أمن المنطقة، لا مجرد دولة تبحث عمن يحميها.
وهذا، في تقديري، هو الوجه الثاني لاتفاق مكة.