الجغرافيا وحدها لا تحمي الشعوب الكورد ومعضلة الظهير الاستراتيجي في الشرق الأوسط

ماهين شيخاني.

تمهيد: لماذا تنتصر بعض الأقليات سياسياً؟
في الشرق الأوسط، لا تُقاس قوة الشعوب دائماً بعدد السكان، ولا باتساع الجغرافيا، ولا حتى بعمق التاريخ. فهذه المنطقة تحكمها معادلة أكثر تعقيداً؛ إذ تتداخل الجغرافيا مع المصالح الدولية، وتصبح القوة السياسية رهناً بقدرة أي شعب على بناء شبكة من التحالفات والاستناد إلى مؤسسات فاعلة، لا بمجرد عدده أو عدالة قضيته.
ومن هنا تبرز واحدة من أكثر المفارقات إثارة للتأمل: كيف تستطيع بعض المكونات الصغيرة أن تفرض حضورها السياسي والدبلوماسي، بينما يظل الشعب الكوردي، وهو من أكبر شعوب المنطقة، يخوض معركة الاعتراف بحقوقه في كل مرحلة تاريخية؟
إن السؤال لا يتعلق بمن يستحق أكثر، بل بكيفية صناعة القوة في عالم تحكمه المصالح قبل المبادئ.

أولاً: في الشرق الأوسط… لا يكفي أن تكون على حق
تكشف تجارب المنطقة أن الشرعية الأخلاقية وحدها لا تكفي.
فالعديد من المكونات الصغيرة استطاعت الحفاظ على حضورها السياسي لأنها نجحت في ربط قضيتها بمنظومات إقليمية أو دولية أوسع.
فالتركمان، على سبيل المثال، يستفيدون من اهتمام تركي مباشر في الملفات التي تمس وجودهم، بينما تحظى قضايا العديد من الجماعات المسيحية باهتمام كنسي ودبلوماسي وإعلامي واسع، يجعل أي تهديد يطالها محل متابعة دولية.
ولا يعني ذلك أن هذه القوى تحصل دائماً على ما تريد، لكنه يمنحها قدرة أكبر على إيصال صوتها، وتحويل قضاياها إلى ملفات سياسية لا يمكن تجاهلها بسهولة.
إنها ليست معادلة تفوق قومي، بل معادلة نفوذ وتحالفات.

ثانياً: الكورد… أكبر شعب بلا سند دائم
في المقابل، يقف الكورد في وضع مختلف.
فهم من أكبر شعوب الشرق الأوسط، وينتشرون على رقعة جغرافية متصلة تمتد عبر تركيا وسوريا والعراق وإيران، ويملكون لغة وثقافة وذاكرة تاريخية مشتركة.
ومع ذلك، لم يمتلكوا عبر تاريخهم الحديث دولة تمثلهم في النظام الدولي، أو سياسة خارجية موحدة، أو مؤسسة دبلوماسية تدافع عن قضيتهم بصورة دائمة.
لهذا بقيت علاقاتهم بالقوى الكبرى محكومة بمنطق المصالح المرحلية، لا بالشراكات الاستراتيجية طويلة الأمد.
وقد أثبت التاريخ مراراً أن الدعم الدولي للكورد كان غالباً مرتبطاً بظروف سياسية محددة، ثم يتراجع عندما تتغير أولويات القوى الكبرى.

ثالثاً: الجبال لم تكن الحليف الوحيد… لكنها كانت الثابت الوحيد
يتردد في الذاكرة الكوردية قول مشهور:
“ليس للكورد سوى الجبال.”
ورغم طابعه الرمزي، فإنه لا يعني أن الكورد لم يملكوا حلفاء، بل يعني أن معظم تلك التحالفات كانت مؤقتة، بينما بقيت الجغرافيا وحدها الثابت الذي لم يتغير.
فمن جمهورية مهاباد، إلى انتفاضة أيلول، مروراً بمآسي الأنفال وحلبجة، وصولاً إلى الحرب ضد تنظيم داعش، قدم الكورد تضحيات جسيمة، لكن المكاسب السياسية بقيت رهينة موازين القوى الدولية.
وهذه ليست خصوصية كردية فحسب، بل إحدى سمات السياسة الدولية التي تقدم المصالح على المبادئ.

رابعاً: لماذا تستمر هذه المفارقة؟
يمكن تفسير ذلك بعدة عوامل مترابطة:
أولاً: غياب دولة كردية ذات سيادة تمتلك تمثيلاً دبلوماسياً دائماً.
ثانياً: وقوع المناطق الكوردية فوق واحد من أغنى الأحزمة النفطية والزراعية والمائية في الشرق الأوسط، وهو ما يجعلها محل تنافس إقليمي دائم.
ثالثاً: خشية الدول الأربع التي يتوزع عليها الكورد من انتقال أي تجربة سياسية ناجحة إلى داخل حدودها.
رابعاً: استمرار الانقسامات الكوردية الداخلية، التي تضعف القدرة على تحويل الإنجازات العسكرية والسياسية إلى مشروع قومي متماسك.
والحقيقة أن الانقسام الداخلي كان، في كثير من الأحيان، أكثر خطورة من الضغوط الخارجية.

خامساً: الظهير الحقيقي يبدأ من الداخل
قد يكون الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن مستقبل الكورد يتوقف فقط على إيجاد راعٍ دولي جديد.
فالتحالفات الخارجية تتبدل، أما القوة الداخلية فهي التي تمنح أي تحالف قيمته.
ولهذا فإن بناء الظهير الحقيقي يبدأ من الداخل عبر:
ترسيخ وحدة الصف الكوردي بعيداً عن الانقسامات الحزبية.
توحيد الخطاب السياسي في القضايا المصيرية.
بناء اقتصاد منتج يقلل من الارتهان للمساعدات الخارجية.
تطوير مؤسسات قانونية ودبلوماسية قادرة على مخاطبة العالم بلغة المصالح.
استثمار طاقات الجاليات الكوردية في أوروبا وأمريكا لتكوين شبكات تأثير سياسية وإعلامية وأكاديمية.
فاللوبيات لا تُولد تلقائياً، بل تُبنى عبر العمل المؤسسي طويل النفس.

سادساً: من رد الفعل إلى صناعة المبادرة
لقد اعتاد الكورد، عبر عقود طويلة، على إدارة الأزمات بعد وقوعها.
أما المرحلة المقبلة فتتطلب الانتقال إلى سياسة المبادرة.
أي بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، وعدم الارتهان لمحور واحد، وتحويل الموقع الجغرافي والثروات الطبيعية إلى عناصر قوة تفاوضية، لا إلى أسباب للصراع الدائم.
فالسياسة الحديثة لا تكافئ الضعفاء، لكنها تحترم من يمتلك رؤية واضحة ومؤسسات مستقرة وشريكاً يمكن الوثوق به.

خاتمة: الظهير ليس دولة أخرى… بل مشروع أمة
ربما تكون المفارقة الكبرى أن الكورد لم يخسروا بسبب ضعف قضيتهم، بل لأنهم كثيراً ما واجهوا نظاماً إقليمياً متماسكاً بأدوات متفرقة.
إن العالم لا يمنح الشعوب مكانتها لأنها مظلومة، بل لأنها قادرة على تحويل عدالتها إلى قوة سياسية واقتصادية ومؤسساتية.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد:
من سيكون ظهير الكورد؟
بل أصبح:
هل يستطيع الكورد أن يبنوا مشروعاً سياسياً موحداً يجعل العالم يرى فيهم شريكاً استراتيجياً لا ورقة تفاوض مؤقتة؟
عندما يتحقق ذلك، لن تبقى الجبال الملاذ الوحيد، بل ستصبح المؤسسات، والوحدة، والدبلوماسية، والاقتصاد، هي الظهير الحقيقي الذي لا يتغير بتغير الحكومات ولا بتبدل التحالفات.

قد يعجبك ايضا