بين الأخوّة الزائفة والإنكار القومي

د. خليل مصطفى عثمان

الخطاب السياسي العراقي تجاه الكورد (1958-1979)

تكشف القراءة المتأنية في الخطاب السياسي العراقي تجاه القضية الكوردية بين عامي 1958 و1979 عن استراتيجية عميقة اعتمدت على “المناورة العاطفية” بدلاً من الحلول الجذرية، حيث استُخدمت لغة الرؤساء كأداة تكتيكية لاستمالة الرأي العام وتبرير سياسات القمع.

فمنذ اللحظات الأولى لثورة تموز، حاول عبد الكريم قاسم رسم ملامح “شراكة وطنية” في خطاباته، لكن هذا النفس الانفتاحي سرعان ما تحول إلى سياسة “تشويه الهوية” عقب اندلاع ثورة أيلول عام 1961. فبدلاً من الاعتراف بالحقوق القومية، لجأ قاسم إلى إنكار الوجود الكوردي المستقل من خلال الترويج لأطروحات تزعم أن الكورد هم “عرب الشمال”، في محاولة لسلب الأرض هويتها التاريخية وتجريد الحركة التحررية من شرعيتها القومية.

هذا النفس الإنكاري اتخذ طابعاً أيديولوجياً أكثر حدة وصرامة مع وصول عبد السلام عارف إلى السلطة، حيث طغت النزعة القومية العربية “الشوفينية” على خطاباته التي لم تترك مكاناً للتعددية.

لقد كرس عارف في خطاباته شعار “أمة واحدة وشعب واحد” لتبرير رفضه القاطع لأي خصوصية كوردية، معتبراً الكورد “أقلية وافدة” تعيش على أرض عربية، واصفاً مطالبهم بالرجعية والعمالة للاستعمار.

ومع انتقال السلطة إلى شقيقه عبد الرحمن عارف، استمر هذا النهج في جوهره وإن اتسم الخطاب بنوع من الضعف والمناورة المؤقتة فرضتها طبيعة توازنات القوى آنذاك، دون أن يحمل في طياته مشروعاً وطنياً حقيقياً للاعتراف بالحقوق.

ومع صعود حزب البعث عام 1968 في عهد أحمد حسن بكر، دخل الخطاب السياسي مرحلة “الازدواجية البراغماتية”، حيث استُخدمت القضية الكوردية كـ “ورقة ضغط” سياسية داخلية لتثبيت أركان النظام. ورغم أن تلك الفترة شهدت توقيع اتفاقات تاريخية، إلا أن الخطاب الرسمي ظل يضمر التحلل من الالتزامات الدستورية، وسرعان ما استعاد نبرة التهديد والوعيد التي مهدت الطريق لسياسات التعريب والتهجير القسري الممنهجة.

لقد نجحت السلطة عبر هذه العقود في تشكيل رأي عام مضاد عبر اتهام الحركة الكوردية بـ “الانفصال”، متفاديةً بذكاء سياسي تسمية “كوردستان” واستبدالها بـ “شمال الوطن”. وفي المحصلة، تثبت هذه القراءة التاريخية أن الخطاب السياسي العراقي الرسمي ظل مخلصاً لفلسفة “المركزية القومية”، فاشلاً في بناء هوية وطنية جامعة، ومفضلاً خيارات القمع والتذويب على خيار الاعتراف العادل بحقوق المكونات الأصيلة.

قد يعجبك ايضا