نبيل عبد الامير الربيعي
المؤلم أن جميع أطراف المعركة في الشرق الأوسط تعلن انتصارها، فيما الأرض مثقلة بالخسائر. تتكرر هذه المفارقة مع كل جولة صراع، وكأن (النصر) لم يعد حقيقة تقاس بميزان الواقع، بل خطاباً يصاغ بعناية لطمأنة الداخل وإرباك الخصم. في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، كما في غيرها من حروب المنطقة، بدا المشهد واضحاً: بيانات رسمية تتحدث عن إنجازات، مقابل واقع إنساني يزداد هشاشةً واتساعاً في الألم.
تقدم الجيوش أرقامها بوصفها أدلة تفوق، وتعرض الحكومات رواياتها بوصفها حقائق نهائية، لكن هذه السرديات، مهما بدت متماسكة، تظل عاجزة عن احتواء الصورة الكاملة. فالحرب لا تختزل في مواقع عسكرية أو أهداف استراتيجية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية: إلى الخوف الذي يتسلل إلى البيوت، إلى القلق الذي يسكن الوجوه، وإلى الإحساس الدائم بانعدام الأمان. هناك، في تلك المساحات الصامتة، تتكشف الحقيقة التي لا تقال.
إن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل تجلٍ لصراع إرادات ونفوذ في منطقة مثقلة أصلاً بالتوترات. كل طرف سعى إلى تثبيت حضوره وإثبات قدرته على الردع، لكن هذا السعي، مهما كان مبرراً في منطق السياسة، حمل كلفة إنسانية باهظة. فالمجتمعات التي وجدت نفسها في قلب هذا التوتر، لم تكن طرفاً في اتخاذ القرار، لكنها كانت أول من يدفع الثمن.
في هذا السياق، تتآكل فكرة (النصر) التقليدية. فحتى لو تحققت أهداف جزئية هنا أو هناك، فإن الخسارة الكبرى تبقى كامنة في تراجع الاستقرار، وتعميق الانقسام، وإعادة إنتاج دوائر العنف. النصر الذي لا ينعكس أمناً في حياة الناس، ولا يترجم إلى طمأنينة في يومهم، يظل نصراً ناقصاً، إن لم يكن وهماً كاملاً.
ولعل أخطر ما في هذه الحروب أنها تعيد تشكيل الوعي على نحوٍ يطبع العنف كأمر اعتيادي. فمع تكرار الصراع، تتراجع حساسية الألم، ويصبح الحديث عن الخسائر البشرية جزءاً من لغة يومية باردة. هنا، لا تكون الخسارة فقط في الأرواح والممتلكات، بل في المعنى ذاته: في قدرة الإنسان على الشعور، وعلى رفض ما يجب أن يُرفض.
إن إعلان الانتصار في مثل هذه الحروب قد يكون ضرورة سياسية، لكنه لا يلغي حقيقة أن الخاسر الأول هو الإنسان. ذلك الذي يجد نفسه عالقاً بين قرارات كبرى لا يملك التأثير فيها، وبين نتائج قاسية لا يستطيع تجنبها. أما (النصر) المعلن، فغالباً ما يكون محاولة لإعادة ترتيب الخسارة في صيغة مقبولة، أو تأجيل الاعتراف بها إلى حين.
في النهاية، تكشف هذه الحروب عن مأزق عميق: مأزق عالم لا يزال يقيس القوة بقدرته على الإيذاء، لا بقدرته على الحماية. وبينما تستمر الأطراف في إعلان انتصاراتها، يبقى السؤال معلقاً: ما قيمة النصر، إذا كان ثمنه إنساناً مكسوراً، وذاكرةً مثقلة، ومستقبلاً يزداد غموضاً؟