الزيارت العيدية بين الإنسانية والمصلحية

الدكتور ياسين الزيباري

لقد اختار الله للمسلمين في العام عيدين رئيسيين ، هما عيد الفطر المبارك ، وعيد الأضحى المبارك ، وكلاهما يأتيان بعد أداء ركن من أركان الإسلام ، أحدهما بالإمتناع عن الأكل والشرب في نهار شهر كامل والآخر عبادة بالمال والجسم والجهد والسفر ، إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة ، وبالإضافة إلى العبادة التي يؤديها المسلم في هاتين المناسبتين فتلحقهما عبادة أخرى وهي عبادة صلة الأرحام والتزاور بين الناس ، والغريب في الأمر أن العلاقة والتزاور لاتقتصر على المسلمين فيما بينهم بل أن الأمر يتعلق بمختلف شرائح المجتمع وهي فرصة ثمينة لتقوية العلاقات بين أفراد الشعب ، ولكن يبقى الأمر من زارك ..؟ من إتصل بك ..؟ مــَــن ْ وجــَّــه التهنئة إليك ..؟ وأنت بدورك زرت مــَـن ْ ..؟ لماذا زرته ..؟ هل زرت أهل العلم لتستفيد منه ..؟؟ هل زرت الفقيـر .. ؟؟ لتقدم له المعونة ، هل زرت مريــضا ً لتقدم له الدواء ، وترفع من معنوياته ، وهو بأمس ّ الحاجة إلى الحنان ، وعينه على الباب من يزوره ؟؟؟ ، ومن يتحدث معه ؟؟؟ ، هل قمت بمصالحة خصمك وبادرت بالزيارة المفاجئة ، هل أخذت معدوما ً معك إلى الخياط ، وقمت بتفصال الثياب له بمثل ثيابك ، هذه هي فلسفة العيد في الإسلام ، هل آثرت أهل العلم على أهل العشيرة والحزب والمنصب ، من الغريب أن نرى التدفق على منازل الأغنياء والرؤساء ، والأمراء ، ولايسع المكان للجالسين ، وأبواب أهل العلم والفقراء مهجورة ، هل نطمع في تناول اللقمة من الأغنياء وهل فكرت أن التمرة التي تتناولها في العيد هي أتت من حلال أم حرام ، وفي هذا أتذكر في عام ( 1985 م ) وفي مدينة الموصل زرت أنا بصحبة أخي الأكبر أحد أعمدة المسجد في يوم العيد فكانت الفرحة غامرة عليه ولايعلم مايفعل ورحـَّــب بنا بكلمات كثيرة يعجز القلم عن وصفها ومما قاله : (( عالمان بأرجلهما قصدا منزلي ، والله لو زارني الوزير الفلاني ، وشيخ العشيرة الفلاني مافرحت بمقدار مافرحت بزيارتكما لنا )) ، فكنت أحفظ هذه العبارة ، وأعتز بها ، أشد الإعتزاز ، لمكانة أهل العلم وطلبته في نفوس الناس ، وهنا دونتها للتأريخ ، وحالة أخرى في هذا العيد ( 20-3-2026 م ) زرت شخصا ً مقعدا ً منذ عشر سنوات ، فكانت فرحته لاتوصف ومما قاله أيضا ً ولم أستطع ألا ّ أدونها وهي مقولته : (( والله لو زارني قبيتكم بأكملها مافرحت بمثل مافرحت بزيارتكم لنا )) فقلت له : (( أنا لم أقدم لك شيئا ً )) فقال : ((لا تقل هذا فزيارتكم لنا هي كل شيء جعلــتـني أنسى مرضي )) فيا أيها الأحباب إستغلوا مثل هذه الأيام لزيارة المحرومين ، والمرضى والفقراء فتلك من أهم العبادات في الإسلام ، وأتذكر حينما كنت صغيرا ً أن َّ شيخ القبيلة كان يطوف على جميع المنازل في القرية ، دون إستثناء ، وبعدها كان يستقبل المهنئين في العيد ، ومن أهم آداب العيد التي فقدناها زيارة الكبير للصغير ، وزيارة الغني للفقراء ، وزيارة الصحيح للمريض ، ومن أهم مظاهر جرح معالم الناس إبراز أواني الطعام والفواكه والحلويات على شبكات التواصل ، ونشر صور الزائرين للتباهي والتفاخر من قبل الأغنياء ، ولعل من أهم آداب الزيارة قال الحكماء إستقبل ضيفك بسبع خطوات وودعه بأربعة عشر خطوة ، و عن الزيارات الإيمانية قال رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) : (( من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ( تعالى ) ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك ، وتبوأت من الجنة منزلا ً )) ( المتجر الرابح ، في ثواب العمل الصالح الدمياطي ( ت 705 هـ ) ، 1/ 527 ) . ومما جاء في الزيارة من أهل الحكمة : (( امش ميلاً وعد عليلا ، وامش ميلين وأصلح بين اثنين ، وامش ثلاثة أميال، وزر في الله )) ،( بهجة المجالس وأنس المجالس ، القرطبي (ت 463هـ) ، ص 54 ) ، وقال الشاعر عن نقاوة الزيارة غير المصلحية :
سلاماً خالياً من كلِّ شيءٍ … يعود به الصَّديق على الصَّديق .
( بهجة المجالس ، القرطبي ، ص 54 ) .

قد يعجبك ايضا