شتّان ما بين كتاب الأمس وكتّاب اليوم

 

غيفارا معو

كاتب وإعلامي 

لم يكن الكتاب يوماً سلعةً تُباع على رفوف المعارض، ولا بطاقة عبور إلى حفلات توقيع تُلتقط فيها الصور أكثر مما تُلتقط الأفكار. الكتاب، في جوهره، كان وما يزال رسالة حيّة لا يقدر على حملها إلا من تمرّس في العوم في بحار المعرفة حتى الأعماق، لا من اكتفى ببلّ أطراف أصابعه على شاطئ الشهرة السريعة.  جيل ما قبل التسعينيات، ذلك الجيل الذي كان يقرأ ليعرف، ويكتب ليضيف، كان قليل العدد لا لأن الموهبة نادرة، بل لأن الكتابة كانت امتحاناً قاسياً لا يجتازه إلا من امتلك صبراً على القراءة، وجرأة على التفكير، وضميراً لا يسمح له بتسطيح العالم في جملة أو تزييفه في كتاب. لم يكن همنغواي ولا تشيخوف ولا جيمس أولدج يكتبون وفي ذهنهم حسابات المبيعات، بل كانوا يكتبون لأن الكتابة كانت بالنسبة لهم ضرورة وجودية لا مهنة تُدر دخلاً.  أما اليوم، فقد تحوّل المشهد إلى ما يشبه سوقاً شعبية تُباع فيها الكتب كما تُباع الحكايات على تنور القرية. يكفي أن تجتمع نسوة على فنجان قهوة، أو أن يتبادل شلّة أصدقاء طرفةً عابرة، حتى تتحوّل تلك اللحظة العابرة إلى “كتاب شيّق” يتداوله روّاد السوشيال ميديا كأنّه إحدى ملحمات العصور القديمة. وما هو في الحقيقة إلا عجاجوك: زوبعة غبار تأتي بسرعة وتذهب بسرعة، لا أثر لها ولا جذور. أما “العجاج” الحقيقي، ذلك الذي يدوم أياماً ويترك أثراً، فهو ما كان يكتبه أولئك الذين عرفوا أن الأدب ليس لعبةً ولا زينةً ولا بطاقة تعريف اجتماعية.  حفلات توقيع الكتب اليوم ليست سوى مسرحيات هزيلة: كتاب لم يُقرأ، أو قُرئ بسطحية، يُقدَّم بكلمات منمّقة وعواطف “مشلّخة”، ثم تُصفّق مجموعة من المريدين، فيندفع الكاتب – أو بالأحرى “المؤلّف بالصدفة” – إلى إصدار كتاب آخر، ثم آخر، ثم آخر… سلسلة من الفراغات المتتالية تُقدَّم على أنها إنتاج ثقافي.  إنها سياسة الفراغ المحتوى: نصوص بلا روح، كتب بلا فكرة، مؤلفون بلا مشروع، وقرّاء يُدفعون دفعاً إلى استهلاك ما لا يستحق القراءة. وفي هذه المعركة العبثية، لا يضيع سوى الفكر الحقيقي، والثقافة العميقة، والأدب الذي كان يوماً مرآةً للروح، والسياسة التي كانت علماً لا صراخاً.  لقد أصبح الطريق إلى الكتابة اليوم مفتوحاً للجميع، لكن الطريق إلى الأدب الحقيقي صار أكثر وعورةً من أي وقت مضى. وبين كتاب الأمس وكتّاب اليوم، شتّان… شتّان.

قد يعجبك ايضا