اركان حميد خانقيني
في خضم الصراع المحتدم في المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، جاء استهداف مقرات قوات البيشمركة داخل إقليم كوردستان العراق ليطرح تساؤلات جدية حول دوافع هذا التصعيد غير المبرر. فهذه القوات لم تكن يومًا طرفًا في تلك المواجهة، ولم تعلن انخراطها في أي عمل عسكري ضد إيران، ما يجعل استهدافها عملاً يفتقر إلى أي مبرر عسكري أو قانوني.
قوات البيشمركة هي قوة رسمية معترف بها ضمن المنظومة الأمنية العراقية، ومهمتها الأساسية حماية إقليم كوردستان والحفاظ على الأمن والاستقرار. كما أن سجلها في مواجهة الإرهاب، وخاصة تنظيم داعش، يشهد لها بدور محوري في حماية المنطقة بأسرها، وليس الإقليم فحسب. ولذلك فإن توجيه الضربات إليها لا يمكن تفسيره إلا باعتباره اعتداءً صريحًا على قوة لم تكن جزءًا من الصراع الدائر.
إن هذا السلوك يعكس نهجًا خطيرًا يقوم على توسيع ساحات المواجهة خارج أطرافها المباشرين، وإقحام جهات لا علاقة لها بالحرب في حسابات الصراع الإقليمي. فبدل أن تبقى المواجهة محصورة بين أطرافها الأصلية، يجري نقل تداعياتها إلى أراضٍ أخرى، وتجاوزاً على الاعراف الدولية وهو ما يهدد بتوسيع رقعة التوتر وزعزعة الاستقرار الهش في المنطقة.
إن إقليم كوردستان، رغم موقعه الجيوسياسي الحساس، حاول طوال السنوات الماضية أن ينأى بنفسه عن صراعات المحاور، وأن يحافظ على قدر من الاستقرار وسط منطقة تعج بالأزمات. غير أن استهداف قواته العسكرية بهذا الشكل يبعث برسالة مقلقة مفادها أن بعض الأطراف مستعدة لتوسيع دائرة الحرب حتى لو كان ذلك على حساب أطراف لم تشارك فيها أصلًا.
إن ما حدث ليس مجرد حادث عسكري عابر، بل مؤشر على خطورة المرحلة التي تمر بها المنطقة، حيث لم تعد خطوط التماس واضحة، وأصبح خطر انتقال الصراعات إلى ساحات جديدة أمرًا قائمًا في أي لحظة. ومن هنا، فإن استمرار مثل هذه الاعتداءات لن يؤدي إلا إلى تعميق التوترات وفتح أبواب إضافية للفوضى في منطقة لم تعد تحتمل مزيدًا من الأزمات.
وفي ظل هذه المعطيات، يصبح من الضروري التأكيد على أن استهداف البيشمركة، وهي قوة لم تكن طرفًا في الحرب، يمثل اعتداءً بلا مبرر وتجاوزًا لا يمكن تبريره بأي ذريعة سياسية أو عسكرية. كما أنه يضع المجتمع الدولي والقوى المعنية باستقرار المنطقة أمام مسؤولية واضحة لوقف مثل هذه الانتهاكات ومنع انزلاق المنطقة نحو مرحلة أكثر خطورة .