حين تُقصف الكرامة: صواريخ عابرة للحدود… وصمتٌ أثقل من الدخان

عرفان الداوودي

لم يكن فجر هذا اليوم مجرد توقيت عابر في سجل الأحداث، بل كان لحظة سوداء تُضاف إلى ذاكرة مثقلة بالألم، حين اخترقت صواريخ إيرانية سماء إقليم كوردستان لتسقط على مواقع قوات البيشمركة، مستهدفة رجالاً لم يكونوا في ساحة حرب، ولا في مواجهة مع أحد، بل في مواقعهم دفاعاً عن أرضهم وكرامة شعبهم.

ما جرى ليس “خطأً عسكرياً”، ولا “رسالة سياسية”، بل عدوان سافر مكتمل الأركان، ينتهك كل الأعراف والقوانين الدولية، ويضرب بعرض الحائط مبدأ حسن الجوار، ويكشف استخفافاً خطيراً بسيادة إقليم لم يكن يوماً طرفاً في صراعات الآخرين.

البيشمركة، الذين وقفوا سداً منيعاً في وجه الإرهاب حين تهاوت مدن بأكملها أمام تنظيمات الظلام، يُستهدفون اليوم بصواريخ دولة يفترض أنها تدرك جيداً معنى السيادة والحدود. هؤلاء الرجال الذين حاربوا دفاعاً عن الإنسانية جمعاء، يُكافَؤون الآن بالقصف والدمار!

أي منطق هذا؟ وأي عدالة تُجيز أن تتحول أرض آمنة نسبياً إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية؟
إن استهداف إقليم كوردستان، وهو الذي لم يكن طرفاً في أي نزاع، هو جريمة سياسية وأخلاقية قبل أن تكون عسكرية.

رسالة مسعود بارزاني جاءت واضحة وصريحة، لا تحتمل التأويل ولا المجاملة. إدانة شديدة، وموقف مسؤول يعكس حرصاً على الدم الكوردي وعلى الاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يضع النقاط على الحروف: هذا الهجوم عمل عدائي غير مبرر، ولن يكون مقبولاً تحت أي ذريعة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إلى متى يبقى إقليم كوردستان هدفاً سهلاً؟
وأين هو الموقف الدولي والحكومة الاتحادية من هذه الانتهاكات المتكررة؟
وهل أصبحت دماء البيشمركة رخيصة إلى هذا الحد في ميزان السياسة؟

إن الصمت على مثل هذه الاعتداءات لا يقل خطورة عن القصف نفسه، لأنه يفتح الباب لتكرارها، ويشجع على التمادي فيها. وإذا لم تكن هناك وقفة حقيقية، سياسية ودبلوماسية، فإن المنطقة بأكملها ستكون أمام مرحلة أكثر خطورة وفوضى.

إقليم كوردستان لم يطلب سوى السلام، ولم يسعَ إلا للاستقرار، لكنه اليوم يُدفع دفعاً إلى حافة التوتر، في وقت هو بأمسّ الحاجة فيه إلى دعم حقيقي، لا بيانات خجولة.

ختاماً، دماء الشهداء لن تكون مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل ستبقى شاهداً على عدوانٍ لا يُنسى، وعلى مرحلة تتطلب موقفاً يليق بحجم الألم… لا بحجم المصالح .

قد يعجبك ايضا