حكمة السياسة

سمير ميراني

” الفضيلة في السياسة تكمن في التوسط، فلا العجلة تقود إلى الخير، ولا الانفعال يحقق الصواب.” أرسطو
لا سبيل إلى فهم السياسة دون فهم الطبيعة البشرية، فالإنسان في الغالب، لا يبتغي الخيار الأمثل بقدر ما يميل إلى اختيار الأقل سوءاً بين البدائل المتاحة، ومن هنا تتجلى حكمة السياسة، إذ تدرك أن الاختيار البشري ليس فعلاً من أفعال الكمال المطلق، بل هو موازنة دقيقة بين الممكنات، وسعي دائم لدرء الأسوأ بقدر ما يتيحه الواقع من إمكان.
ولهذا فإن القرارات المصيرية لا تولد في لحظات الاندفاع، ولا تصاغ تحت وطأة الانفعال، فالقضايا الكبرى لا تحتمل التعجل، إذ قد يحول التسرع القرار من مخرج للأزمة إلى سبب في تعقيدها.
إن القرار المصيري يكتسب قوته وشرعيته حين يصدر عن التشاور والتفاهم المجتمعي، حيث تتكامل الرؤى وتتوازن المصالح، فالحكمة السياسية لا تقاس بسرعة الحسم، بقدر ما تقوم على نضج الاختبار والتقدير والتأمل العميق، لأن فاعلية القرار لا تستمد معناها من السلطة وحدها، بل من مقدار توافقه مع طبيعة المجتمع الذي يحتضنه ويطبق في فضائه.
فالنظام الذي ينسجم ويتوافق مع خصائص الشعب وثقافته أقدر على الاستمرار، وأقرب للقبول في الوجدان العام، إذ إن الدولة، في جوهرها، ليست سوى انعكاس واسع لطبائع الإنسان، وكما تبلغ الموجودات كمالها حين تنسجم مقاديرها مع طبيعتها، كذلك يبلغ النظام السياسي رشده، حين يتلاءم مع طبيعة المجتمع الذي يقوم عليه.
ولهذا فإن الحكمة في السياسة لا تقاس بسرعة القرار، بل بعمق البصيرة التي تسبقه، فالدولة في النهاية ليست مجرد مؤسسات وقوانين، بل تعبير واسع عن طبيعة الإنسان نفسه، فإذا غلبت الحكمة استقام النظام، وإذا غلب الاندفاع اضطربت السياسة، لأن ما يختل في نفس الإنسان ينعكس حتماً في مصير الكيان.

قد يعجبك ايضا