الجزء الثاني
بغداد – التآخي
وظائف جديدة: الفرصة التي قد تضيع لو تأخّر العراقأكثر
في المقابل، لا يقدّم السلطاني الذكاء الاصطناعيبوصفه “مقصلة” فقط، بل كمنصّة لولادة مهن جديدة،فيقول: “في المقابل تولّدت تخصّصات ومهن جديدةبفعل هذا التحوّل، على سبيل المثال استحداث أقسامعلمية في الجامعات في العراق كأقسام الذكاءالاصطناعي وأقسام الأمن السيبراني، وستظهرتخصّصات أخرى في مجالات مثل هندسة البيانات،هندسة الأوامر، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، محلّليالبيانات، وصناعة المحتوى الذكي، وغيرها منالتخصّصات والمهن التي ستظهر بشكل مستمر نتيجةالحاجة إلى التغيّرات التي ستحدث في عصر الذكاءالاصطناعي“.
هذا يعني أنّ السؤال الحقيقي في العراق لم يعد: “هلسيقضي الذكاء الاصطناعي على الوظائف؟“، بل: “أي نوع من الوظائف سنستعدّ له؟ وأي نوع منالمخرجات الجامعية سنقدّم للسوق خلال السنواتالمقبلة؟“.
إذا تحرّكت الدولة والجامعات باتّجاه إعادة تشكيلالمناهج واستثمار هذه الكلّيات الجديدة بجدّية، يمكنتحويل جزء من بطالة الخريجين إلى طاقات تعمل فيتحليل البيانات، والأمن السيبراني، وتطوير النماذج،وصناعة المحتوى الذكي. أمّا إذا بقيت كليّة الذكاءالاصطناعي مجرّد عنوان جذّاب فوق مبنى تقليدي،فإنّ الفجوة بين الشهادة وسوق العمل ستزداد اتّساعًا.
التوظيف الحكومي والمدني: بين الخطاب والممارسة
على المستوى الحكومي، طُرحت خلال السنوات الأخيرةعناوين كبيرة عن “التحوّل الرقمي“، و“استراتيجيةوطنية للذكاء الاصطناعي“، و“تعزيز استخدامالبيانات الكبيرة” في قطاعات الصحّة والطاقة والزراعةوالمالية. جرى الحديث عن منصّات وطنية، وعن بوّاباتبيانات مفتوحة، وعن أتمته للإجراءات وتبسيط للروتين.
لكن في الميدان، ما يزال المواطن يواجه واقعًا مختلفًا: معاملات ورقية طويلة، وأرشيفًا تقليديًا، وقواعد بياناتغير مترابطة، وقرارات تُتّخذ في كثير من الأحيان مندون تحليل بيانات عميق. توظيف الذكاء الاصطناعيداخل مؤسّسات الدولة، إن وجد، يبقى محدودًا ومجزّأً،وغالبًا ضمن تجارب ميدانية صغيرة أو مشاريع فرديةفي بعض الوزارات والجامعات.
في القطاع المدني والخاص، الصورة ليست أفضلبكثير؛ هناك شركات صغيرة في مجالات التسويقالرقمي، وأنظمة المراقبة الذكية، وتحليل البياناتالبسيط ، لكنّها لا ترقى إلى مستوى “قطاعتكنولوجي” قادر على حمل جزء من الاقتصاد أو خلقسوق عمل واسعة.
النتيجة: العراق، حتى الآن، يتعامل مع الذكاءالاصطناعي في جزء كبير من ملفّاته بوصفه “موضوعمؤثمر” أو “شعارًا في استراتيجية“، أكثر ممّا هوأداة يومية لتغيير طريقة العمل وإنتاج القرار.
ماذا كان يمكن أن نستفيد لو وظّفناه بجدّية؟
لو استُثمر الذكاء الاصطناعي بشكل منظم، يمكنرسم قائمة واضحة بالمكاسب المحتملة:
في الإدارة والحوكمة:
–الكشف المبكر عن الفساد من خلال تحليل أنماطالعقود، والمشتريات، والتعاملات المالية.
–تقليص زمن إنجاز المعاملات عبر الأتمته الذكية، مايخفّف الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظّف ويضيّقمساحة الرشوة.
في الاقتصاد والخدمات:
–تحسين إدارة الطاقة والموارد، وتقليل الهدر فيالكهرباء والمياه والنقل من خلال نماذج توقّعية.
–دعم الزراعة عبر نظم “الزراعة الذكية” التي تتنبّأبالمناخ وتراقب التربة وتحدّد الاحتياجات بدقّة.
–تطوير قطاع الصحّة عبر نظم تشخيص مساعدةللطبيب، وتحليل السجلات الطبّية إلكترونيًا.
في التعليم:
–الانتقال من تعليم نظري جامد إلى منصّات تكيّفيةتقدّم محتوى مخصّصًا لمستوى الطالب، وتعيد تعريفدور المعلّم من “مُلْقٍ للمعلومة” إلى “موجّه ومحلّل“.
–في الأمن وإدارة الأزمات: رصد التحركات غيرالطبيعية، وتحليل البيانات الأمنية المفتوحة والمغلقة،وبناء نماذج توقّعية تساعد في منع التهديدات قبلوقوعها.
هذه ليست أحلامًا نظريّة؛ هي تطبيقات أصبحت يوميةفي دول كثيرة. تأخّر العراق في تبنّيها يعني ببساطةاستمرار الهدر المالي، واستمرار البطء، واستمرارالقرارات التي تُبنى على الحدس أكثر ممّا تُبنى علىالبيانات.