اقتبس الروائي النمساوي كليمنس ج. سيتز في مقال رائع حكاية السمكة الذهبية من الأساطير الألمانية من أجل أن يصل الى حكمة لايبدو أن جيل ما بعد الرقمية سيعتد بها! وهي ألا نطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا نستحق، لأننا سنصل إلى نفس الحال الذي أوصلت فيه زوجة الصياد العالم، بعد أن اصطاد سمكة ذهبية تحقق له كل ما يطلب !
الرغبة الفاحشة جعلت زوجة الصياد تطلب من السمكة الذهبية كل ما يخطر ببالها، فبعد الأموال والحلي، طلبت أن تصبح بابا الفاتيكان! ولكنها لم تكتف بذلك عندما طلبت أن تكون آلهة! عندها اختل كل شيء وحل الدمار على الأرض !
وهكذا إذا أردت أن تفهم كيف سيعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الإنسانية، عليك أن تبدأ من تلك الحكاية الخرافية، فما نظنه مجرد أدوات رقمية ليس إلا قوة أسطورية جديدة، تستعير مكان الخيال الجماعي لتعيد تشكيله .
يذهب سيتز أبعد من ذلك، عندما يحذر الإنسان من أن يطلب من الذكاء الاصطناعي أن يحقق كل رغباته. فإذا كان بإمكان أي شخص أن يصبح بابا بسهولة، فإن جاذبية هذا المنصب تتلاشى. لأن الأمور لا تصبح مثيرة للاهتمام ومرغوبة إلا عندما تتطلب قدرًا معينًا من المقاومة، أو عقبة، للتغلب عليها. أما جيل ما بعد الرقمية، فلا يعرف هذا النوع من المقاومة الجذابة إلا من خلال التعلم بالحَثّ من خلال التمني الدقيق باستمرار .
هذه الفقرة تفتح الباب لفهم أكثر عمقًا: الإنسان لا ينجذب إلى ما يُعطى له مجانًا، بل إلى ما يضطره إلى الصراع والتجربة والمكابدة. الرغبة تستمد معناها من العقبة التي تواجهها. الذكاء الاصطناعي حين يحوّل الرغبة إلى خدمة فورية، ينزع عنها معناها ويجعلها مجرد استهلاك .
حتى المواقع الرمزية والروحية هنا ستفقد هيبتها لو تحولت بفعل الذكاء الاصطناعي إلى أمنية قابلة للتحقيق عند الطلب؟ كما فعلت السمكة الذهبية لزوجة الصياد وجعلت منها بابا بصولجانه الذهبي .
المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، وهو يُشبع كل رغبة، يقودنا إلى فراغ أكبر. يتركنا أمام عالم بلا مقاومة، بلا عقبة تمنح للحلم قيمته. نحن أبناء الخرافة التي كانت تعلّمنا أن الطريق إلى الكنز يمر بالمتاهة والمخاطر، لا بمجرد تفعيل خوارزمية. والآن، حين تختفي العقبات، يختفي معها المعنى .
أليست هذه الخرافة الجديدة التي نصنعها اليوم؟ ذكاء اصطناعي يعدنا بكل شيء، لكنه يسلبنا جوهر الرغبة نفسها .
المقال الذي كتبه كليمنس ج. سيتز يذهب إلى ما هو أبعد من السجال التقني حول الذكاء الاصطناعي. هو يستخدم الحكاية الخرافية الألمانية كمرآة لفهم التحولات المقبلة في علاقة الإنسان بالتقنية. الفكرة الأساسية عنده أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة، بل عامل يعيد تشكيل الوعي الإنساني، ويغير الطريقة التي ندرك بها أنفسنا والآخرين