السفر اليها “ضرورة نفسية”.. تقرير لـ “الجزيرة” يوضح: كيف أصبحت أربيل وجهة العراقيين الأولى في العطل والأعياد؟

 

أربيل – التآخي

مع كل عطلة رسمية أو عيد في العراق، تتحول مدينة أربيل (عاصمة إقليم كوردستان) إلى وجهة أولى لعشرات آلاف العائلات والشبان القادمين من محافظات الوسط والجنوب.

طوابير السيارات عند مداخل المدينة وامتلاء الفنادق والمطاعم والمراكز التجارية، ترسم ملامح ظاهرة تتجاوز فكرة “نزهة قصيرة” إلى تحولات اجتماعية واقتصادية ونفسية عميقة.

أربيل.. متنفس دائم لعائلات الوسط والجنوب

تقرير لقناة “الجزيرة” ينقل عن زياد طارق، وهو سائق يعمل على خط النقل بين بغداد وأربيل، قوله إن عملهم “لا يكاد يتوقف” في الأيام العادية، ويبلغ ذروته في العطل والمناسبات. ويوضح أن كثيرا من العائلات تفضّل القدوم بسياراتها الخاصة “للاستغناء عن التاكسي داخل أربيل، والتنقل بحرية بين المصايف والمنتجعات السياحية”.

خلال السنوات الأخيرة ترسخت صورة أربيل كملجأ سريع للهروب من ضغوط الحياة اليومية، مستفيدة -كما يوضح سعد الموصلي المقيم في إقليم كوردستان منذ 12 عاما- من مزيج من العوامل: “أول ما يلفت الانتباه هو الهدوء والتنظيم، توافر الكهرباء بشكل شبه مستقر، وانتشار الحدائق والمقاهي والمولات الحديثة. تفاصيل يراها كثيرون غائبة عن مدنهم التي تعاني أزمات خدمية مزمنة”.

ما بين الجبال والتنظيم.. لماذا يختارون أربيل؟

لا يتعلق الأمر بالطبيعة الجبلية والمناخ المعتدل فقط. سعد يرى أن أربيل “قدمت نموذجا مختلفا للحياة الحضرية داخل العراق”، من حيث التخطيط العمراني والبيئة الاستثمارية والخدمات السياحية.

هذا ما يلمسه أيضا عمر، وهو عراقي مقيم في تركيا، إذ ينقل التقرير عنه قوله إنه يختار أربيل “في كل زيارة للعراق” للقاء عائلته وأصدقائه، مشيرا إلى أن المدينة “تشبه المدن التركية من حيث البيئة الآمنة، وتتمتع بوضع اقتصادي شبه مستقر مقارنة بمعظم المحافظات الأخرى”، وهو ما يجذب آلاف السائحين في العطل والأعياد.

من نزهة إلى “ضرورة نفسية”

بعض الزوار يذهب أبعد من وصف رحلته بأنها “سياحية”. كثيرون باتوا ينظرون إلى السفر لأربيل بوصفه “ضرورة نفسية”، في ظل تراجع الخدمات العامة في محافظات الوسط والجنوب، وشح المساحات الخضراء والمرافق الترفيهية، إلى جانب الازدحام والتلوث وارتفاع درجات الحرارة.

حمة أمين، وهو سائق أجرة في أربيل، يقول للمصدر نفسه إن الشوارع “تكون مكتظة في مواسم الأعياد والعطل الرسمية، وحركة العمل تستمر حتى ساعات متأخرة من الليل”. ويضيف أن الوافدين “يضاعفون حركة السوق، مع كثافة التبضع والإقبال على المطاعم والمقاهي”.

سياحة داخلية.. مورد اقتصادي غير نفطي

الإقبال الواسع على أربيل ينعكس مباشرة على اقتصاد المدينة. ترتفع نسب إشغال الفنادق إلى مستويات قياسية وتنتعش الأسواق والأماكن السياحية، وهو ما يجعل القطاع السياحي أحد أبرز الموارد غير النفطية في إقليم كوردستان، وفق الباحث في الشأن الاقتصادي العراقي عبد الرحمن المشهداني.

وينقل التقرير عن المشهداني قوله إن أربيل “المتنفس الوحيد تقريبا القادر على استقطاب هذا العدد الكبير من السائحين المحليين”، في ظل أوضاع متوترة في المنطقة، موضحا أن انخفاض كلفة السفر إليها مقارنة بخيارات خارجية يجعل الإقليم “الخيار الأول للعائلات”.

ويشير إلى أن السياحة “تشكل نحو 85% من العائدات غير النفطية في إقليم كوردستان”، لافتا إلى أن هذا النجاح “لم تحققه بغداد، لا في السياحة الدينية ولا في استثمار مناطقها التاريخية”. وبرغم ذلك يبقى النفط “المورد الاقتصادي الأبرز على مستوى الإقليم والعراق ككل”، كما يقول.

أرقام متصاعدة.. ومشهد لمدينة كما يتمنونها

استعدادا لمواسم العطل، توزّع السلطات في إقليم كوردستان نشرات تعريفية وخرائط سياحية على الوافدين إلى أربيل والسليمانية ودهوك، عبر لجان ميدانية عند المنافذ الحدودية والمطارات لتسهيل الدخول.

ومنذ مطلع العام الحالي، سجلت أربيل دخول قرابة مليون سائح، وفق إحصاءات الهيئة العامة للسياحة. ويقول محافظ أربيل أوميد خوشناو إن المدينة تستقبل نحو 7 آلاف سائح يوميا منذ أسبوع، مع حلول عطلة عيد الأضحى.

ورغم عدم صدور إحصاء نهائي لأعداد الوافدين خلال أيام العيد، فإن المدخل الجنوبي لأربيل سجل أكثر من 100 ألف وافد من المحافظات العربية في يوم عرفة واليوم الأول من عيد الأضحى، بينما يؤكد خوشناو أن 70 ألفا قصدوا المدينة في الأيام السابقة.

ومع كل عطلة، تعيش أربيل حالة استنفار لاستقبال موجة جديدة من الزوار. بالنسبة لكثير من العراقيين تبدو هذه المدينة “نسخة محتملة” مما يمكن أن تكون عليه مدنهم لو توفرت الإدارة والخدمات والاستقرار، في بلد ما تزال فيه السياحة الداخلية مرتبطة بالبحث عن حياة أكثر هدوءا وأمنا، مع هامش بسيط من الترفيه، وجرعة ضرورية من الطمأنينة النفسية.

 

 

 

قد يعجبك ايضا