الذكاء الاصطناعي في العراق موارد هائلة ولكن بنية رقمية هشة

الجزء الاول

بغداد التآخي

العالم يدخل اليوم عصرًا جديدًا يُقاس فيه وزن الدول بعدد الخوارزميات التي تملكها، وحجم البيانات التي تحلّلها، وقدرتها على توظيف الذكاء الاصطناعي في كل تفصيل من تفاصيل الحياة؛ من الطبّ إلى المال، ومن التعليم إلى الأمن. الثورات السابقة غيّرت أدوات الإنتاج، لكنّ الثورة الراهنة تعيد تعريف معنى العمل نفسه، وتعيد توزيع الأدوار بين الإنسان والآلة، وبين الدول المنتِجة للتقنية والدول المستهلكة لها.

في هذا السباق الكاسح، يقف العراق عند مفترق حادّ: بلد يمتلك واحدة من أكثر المجتمعات الشبابية في المنطقة، وموارد طبيعية هائلة، لكنه يواجه بنية تحتية رقمية هشة، وقطاعًا عامًّا مثقلًا بالروتين، وجامعات تحاول اللحاق بالركب عبر استحداث كليّات وأقسام للذكاء الاصطناعي، من دون أن تتوفّر دائمًا البيئة التي تحوّل هذه العناوين إلى قوّة حقيقية.

الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي والدراسات البيئية الأستاذ الدكتور أحمد هاشم السلطاني يلخّص المشهد بجملة صادمة: نحن في “المرحلة الصفرية”. لا نتحدّث عن تأخّر بسيط، بل عن نقطة بداية في وقت صار فيه الذكاء الاصطناعي طبقة أساسية في بناء قوّة الدول الكبرى، إلى جانب الاقتصاد والجيش والنفوذ السياسي.

من الثورة الصناعية إلى “المرحلة الصفرية” في العراق

قال السلطاني في حديثه لـ”بغداد اليوم”: “الحقيقة عندما نقول الذكاء الاصطناعي إلى أين هو موضوع معقّد ومتشعّب جدًّا ومن الصعب تقديم إجابة تستوفي جميع الجوانب، فنحن لا نزال ربما في المرحلة الصفرية من هذه الثورة المعلوماتية. والبعض يصفها بالثورة الصناعية الرابعة بعد ثورة المحرك البخاري وثورة الكهرباء وثورة الحاسوب والإنترنت والأتمتة الرقمية“.

بهذه المقارنة يضع السلطاني الذكاء الاصطناعي في مصافّ التحوّلات الكبرى في تاريخ الصناعة البشرية. لكنّه، في الوقت نفسه، يعترف بأنّ العراق ما زال في بداية الطريق، وهو اعتراف يختزل فجوة زمنية وتقنية بين ما يجري في العالم المتقدّم وما يجري داخل مؤسّسات الدولة والسوق العراقية.

السلطاني يضيف: نحن في بدايات ثورة “بغضّ النظر عن مسمّياتها”، لكن آثارها الملموسة بدأت تضرب المهن التقليدية في العمق، وتفرض منطقًا جديدًا على سوق العمل وعلى الجامعات وعلى طريقة إدارة الدولة نفسها.

مهن تندثر وأخرى تُولد: خسائر لا يمكن إنكارها

يوضّح السلطاني صورة التحوّل قائلًا: “من الواضح أنّها أحدثت وستُحدث تغيّرات كبيرة على مختلف مستويات الحياة. فنلاحظ أنّ كثيرًا من التخصّصات والمهن بمستوياتها التقليدية أصبحت معطّلة أو ألغيت، على سبيل المثال لا الحصر: الترجمة البسيطة أو العامة، المحاسبة التقليدية، الصحافة الإخبارية، التعليم النظري، التحليل المالي الروتيني، الأرشفة الورقية، التصاميم التقليدية، وحتى البرمجة مثل كتابة الكودات التقليدية والبسيطة“.

الرسالة واضحة: كل ما هو “روتيني، متكرّر، وقابل للوصف بخطوات محدّدة” أصبح هدفًا مباشرًا لأدوات الذكاء الاصطناعي. العراق ليس استثناءً من ذلك؛ دوائر الدولة المترهّلة، والأعمال الورقية المتراكمة، والوظائف التي تقوم على تكرار نفس الإجراء لعشرات السنين، كلّها مرشّحة لأن تتعرّض للاهتزاز.

في بلد يعتمد قطاعه العام على مئات آلاف الوظائف ذات الطابع الروتيني، فإنّ تجاهل هذا التحوّل لا يعني تجنّب الصدمة، بل يعني تلقّيها من دون استعداد، حين يجد جيل كامل من خرّيجي التخصّصات التقليدية نفسه في سوق لا تطلب ما تعلّمه في الجامعة.

قد يعجبك ايضا