التأخي / وكالات
يشهد الصراع على ملكية مجموعة “تلغراف ميديا غروب”، التي تضم صحيفة “ذا تلغراف” البريطانية المحافظة العريقة، تطوراً دراماتيكياً جديداً مع انضمام المجموعة الإعلامية الألمانية العملاقة “أكسل شبرينغر” إلى عرض منافس بقيمة 500 مليون جنيه إسترليني (حوالي 675 مليون دولار أميركي)، في محاولة أخيرة لإعاقة الصفقة المبرمة مع مالك “ديلي ميل” اللورد روثر مير، والتي تواجه تدقيقاً تنظيمياً مطولاً بسبب مخاوف تتعلق بتنوع الآراء الإعلامية .
وأكد متحدث باسم “أكسل شبرينغر“، التي تملك “بوليتيكو” و”بيزنس إنسايدر” في الولايات المتحدة إلى جانب صحيفتي “بيلد” (أكبر صحيفة يومية في أوروبا) و”دي فيلت” في ألمانيا، مشاركة المجموعة في كونسورتيوم يقوده الصحفي والناشر البريطاني المولود في مانشستر دوفيد إيفونه، صاحب موقع “نيويورك صن ” .
وقال الكونسورتيوم في بيان مقتضب “نؤكد أننا قدمنا عرضاً أفضل إلى بائع مجموعة تلغراف ميديا غروب”، مشيراً إلى أن العرض يتضمن دفعة نقدية أولية أكبر بكثير من تلك المقترحة في الصفقة مع “ديلي ميل أند جنرال ترست” (دي.إم.جي.تي)، مع تقليص كبير للجزء المدين وتجنب عقبات تنظيمية متوقعة .
ويأتي هذا التدخل في “اللحظة الأخيرة”، بعد أن منحت وزيرة الثقافة البريطانية ليزا ناندي يوم 19 فبراير2026 إذناً لـ”ريدبيرد.آي.إم.آي” ببيع “الضمانات” على الصحيفة لدي.إم.جي.تي مقابل 500 مليون جنيه، مما يمهد الطريق لإكمال الصفقة إذا لم تُعرقلها هيئتا المنافسة والإعلام (CMA وكانت ناندي قد أحالت الصفقة مع اللورد روثر مير إلى الجهات التنظيمية في 12 فبرايربسبب “مخاوف جدية” بشأن تعدد الآراء الإعلامية، نظراً للتوجه اليميني المشترك بين “ديلي ميل” و”تلغراف”، في ظل سيطرة محتملة على نسبة كبيرة من سوق الصحف اليمنى في بريطانيا .
وأوضح مصدر مطلع على عرض الكونسورتيوم أن “الدفعة النقدية الأولية أعلى بكثير” من الـ400 مليون جنيه الأولية في عرض دي.إم.جي.تي (التي تُموّل جزئياً بقرض من بنك NatWest)، مع دفعة مؤجلة أقل 100 مليون جنيه خلال عامين في عرض دي.إم.جي.تي) .
ويُروَّج للعرض على أنه “ممول بالكامل” و”خالٍ من المخاطر التنظيمية”، مما يجعله بديلاً جذاباً في حال تعثر الصفقة الحالية أو إطالتها لأشهر .
ويُعدّ إيفونه، الذي سبق أن تولى رئاسة تحرير “الألجماينر” اليهودية، من المرشحين الدائمين للاستحواذ على “تلغراف” منذ أكثر من عام. وحصل على حق التفاوض الحصري في أواخر 2024 لكنه فشل في تأمين التمويل الكافي آنذاك .
يعزز انضمام “أكسل شبرينغر“، التي أبدت اهتماماً بشراء الصحيفة في 2023، مصداقية الكونسورتيوم بشكل كبير، خاصة أن المجموعة الألمانية تُعرف بمبادئها الواضحة مثل دعم “حق إسرائيل في الوجود” والتحالف الأوروبي-الأميركي، وهي مبادئ تُثير تعليقات ساخرة في بعض الأوساط البريطانية نظراً لتاريخ “تلغراف” الإيوروسكيبتيك(المعادي للاتحاد الأوروبي سابقا ) .
ويُظهر هذا الصراع، الذي امتد لثلاث سنوات كاملة، قوة الإعلام التقليدي المطبوع في بريطانيا رغم التحديات الرقمية والمالية. فـ”تلغراف”، التي تأسست عام 1855 وتُعدّ من أبرز الأصوات المحافظة في المملكة المتحدة، لا تزال تمثل رمزاً للنفوذ السياسي والثقافي، حيث تؤثر في تشكيل الرأي العام وتُقرأ من قبل النخب السياسية والاقتصادية .
وفي سياق أزمة الإعلام العالمي، حيث تواجه الصحف انخفاضاً في الإيرادات الإعلانية ومنافسة شرسة من المنصات الرقمية، تبرز هذه الصفقة أهمية الملكية المستقلة أو المتنوعة للحفاظ على تعدد الآراء والحياد النسبي .
ومع ذلك، يبقى تقدم العرض المنافس مرهوناً بانسحاب أو رفض الصفقة مع اللورد روثر مير، إذ يحتفظ دي.إم.جي.تي باتفاق تفاوض حصري. ولم يصدر تعليق فوري من “ريدبيرد آي إم آي” أو دي.إم.جي.تي حول التطورات الأخيرة، فيما يتوقع مراقبون أن يستمر التحقيق التنظيمي حتى يونيو المقبل على الأقل .
ويُبرز هذا النزاع المستمر التوترات العميقة حول مستقبل الإعلام التقليدي في بريطانيا: بين مخاوف تركز الملكية في أيدي قلة (كما في حالة روثر مير)، وبين محاولات إدخال لاعبين دوليين أو مستقلين لتعزيز التنافسية والتنوع .
قد يحدد مصير “تلغراف” ليس فقط قيمة الصفقة المالية، بل أيضاً مدى قدرة الصحافة المطبوعة على البقاء قوة مؤثرة في عصر الرقمنةوالاستقطاب الإعلامي .