م. م. جاسم العقيلي
في زمن تتسارع فيه وتيرة التغيرات الاجتماعية، وتتشابك فيه الثقافات وتتدفق المعلومات بلا حدود، يبرز سؤال جوهري حول الدور الحقيقي الذي يلعبه الإعلام في تشكيل وعي المجتمعات. هل هو مجرد مرآة تعكس الواقع كما هو، أم هو بالفعل “سلطة رابعة” قادرة على البناء كما هي قادرة على التجريح والهدم ؟
يقول مالكوم إكس ان وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض.. لديهم القدرة على جعل المذنب بريئاً وجعل الأبرياء مذنبين! .
لا يمكن لأي متابع أن يغفل حقيقة أن الإعلام، بكافة أشكاله ، قد تحول إلى ركيزة أساسية لا غنى عنها في بنية أي مجتمع. لكن الأهم من كونه وسيلة لنقل الخبر أو الصورة، هو كونه منظومة قيم متكاملة، تحمل في طياتها رؤية للحياة وتصوراً للعلاقات الإنسانية .
إن دور الإعلام الوطني المسؤول، الذي يدرك خطورة الرسالة التي يحملها. إنه إعلام لا يكتفي بإثارة الجماهير أو السعي وراء “التريند” الزائف، بل يسعى إلى ترسيخ قيم المواطنة، والتسامح، والتضامن، واحترام القانون، والاعتزاز بالهوية .
في المقابل، نواجه اليوم طوفاناً من الأفكار التي تستهدف المجتمعات من الداخل. أفكار تنتشر عبر شاشات الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي، تحمل في طياتها سموم التطرف، أو بذور التفكك الأسري، أو دعوات صريحة للانحلال الخلقي وتقويض الثوابت الدينية والوطنية. هذا الإعلام “المضاد” لا يعترف بحدود ولا يحترم خصوصيات، مهمته الأولى هي هدم كل ما هو قائم، تحت عناوين براقة مثل “الحرية الشخصية” أو “حداثة الفكر”، متناسياً أن الحرية الحقيقية لا تعني تدمير المجتمعات .
ومن هنا، تقع المسؤولية على عاتق الجميع؛ ليس على المؤسسات الإعلامية وحدها، بل على صناع القرار، وعلى المربين، وعلى الأسرة، بل وعلى كل فرد يمتلك حساباً في وسائل التواصل الاجتماعي. يجب أن ندرك أن كل كلمة ننشرها، وكل صورة نشاركها، وكل فكرة نروج لها، هي لبنة في بناء هذا المجتمع أو حجر في طريقه نحو الهاوية .
إن الحفاظ على القيم الاجتماعية ليس جموداً أو رجعية، كما يحاول البعض تصويره، بل هو ضرورة وجودية لاستمرارية أي أمة. والإعلام الذي يتبنى هذه الرسالة النبيلة هو إعلام يؤمن بأن التنوير الحقيقي لا يأتي من استيراد نماذج غربية جاهزة وتطبيقها بحذافيرها، بل من قدرة المجتمع على التطور والازدهار، مستنداً إلى قواعده الراسخة وثوابتهالرصينة .