محمد علي محيي الدين
وُلد الشاعر إبراهيم بن محمد بن عبد الحسين بن محمد بن حرج الوائلي سنة 1914 في جزيرة الصقر بالبصرة، تلك الرقعة الريفية التي كانت تختزن في ترابها الفقر والبساطة والنخيل والماء والحياة الأولى. هناك تشكّلت بذرة إحساسه الإنساني، وتفتحت عينه على بؤس الفلاحين وصدقهم، وعلى الطبيعة التي ستظل فيما بعد منبعًا لصوره الشعرية ومرجعًا لذاكرته العاطفية.
لم تكن في قريته مدرسة، ولم تكن البصرة قريبة لتيسير التعليم، فكلف والده أحد قرّاء القرآن، عمران الحلو، بتعليمه مبادئ القراءة والكتابة والقرآن. وفي أوائل الثلاثينات افتُتحت مدرسة ابتدائية في القرية، فالتحق بها وقُبل في الصف الخامس، غير أن والده ما لبث أن أخرجه منها، إذ كان يريد له طريق العلم الديني لا وظيفة في دوائر الدولة.
رافق والده إلى النجف، المدينة التي ستغدو لاحقًا موطنه الروحي والفكري، فدرس علوم العربية والفقه، وحضر البحث الخارج تحت منبر الشيخ كاشف الغطاء، مع أسماء ستصبح لاحقًا من أعلام الفكر والأدب، مثل محمد شرارة وحسين مروة. ظلّ يتنقل بين البصرة والنجف حتى عام 1940، وفي النجف أخذت موهبته الشعرية تتبلور، وأقبل على دراسة العَروض وحفظ الشعر، فحفظ أكثر شعر المتنبي وأكثر من نصف حماسة أبي تمام، وكأنما كان يعدّ نفسه سرًّا ليكون وريثًا لتقاليد القصيدة العربية الصلبة.
انفتح الوائلي مبكرًا على الوسط الثقافي النجفي، فانتمى إلى جمعية الرابطة التي تأسست عام 1933، ثم إلى جمعية منتدى النشر، وهناك تلاقى مع الأدباء والشعراء، وتشكل وعيه الأدبي والنقدي. وحين توفي الملك فيصل الأول، أنشد في حفل تأبينه بالنجف رباعيات كانت أول ما عُرف له في محافلها، وقد لاقت استحسانًا كبيرًا، فكان ذلك الإعلان الأول عن شاعر قادم بثقة وصوت مختلف.
ولمّا أدرك حرفة الشعر أدرك معها حرفة الصحافة. كان أول اتصال له بالصحافة سنة 1934 حين نشر قصيدة في جريدة (الراعي) التي كان يصدرها جعفر الخليلي، ثم توالت قصائده فيها حتى أُغلقت الجريدة بعد أربعين عددًا لجرأتها في نقد الحكم. وبعدها أصدر الخليلي جريدة (الهاتف)، فكان الوائلي أحد أعمدتها، يكتب وينشر بانتظام، ويعمل محررًا فيها من سنة 1935 حتى أواخر 1939. وكان الخليلي إذا سافر إلى لبنان في الصيف يترك له مسؤولية تنظيم الجريدة والإشراف عليها وكتابة افتتاحيتها أحيانًا، فمارس الوائلي هناك أبجديات الصحافة المهنية، وتعلّم كيف تكون الكلمة موقفًا.
وفي سنة 1939 أشرف على الأعداد الأولى من مجلة (الغري) في النجف، ثم استمر في النشر فيها لاحقًا بقصائد ومقالات، جامعًا بين الشعر والنقد والتاريخ الأدبي. وفي صيف عام 1940 دُعي إلى الإذاعة العراقية للمشاركة في نشاطاتها، فأنشد قصيدة كانت فاتحة علاقته بها. وفي الليلة الثانية، وبينما كان جالسًا في مقهى بالكرخ، جاءه الجواهري يسأل عنه، فأخذ القصيدة ونشرها في اليوم التالي في جريدة (الرأي العام) مع مقدمة رائعة، لتبدأ بينهما علاقة أدبية مميزة. وكان أجره عن تلك القصيدة دينارًا واحدًا، لكنه كان دينارًا يفتح باب الشهرة الأدبية في بغداد.
استمرت صلته بالإذاعة قرابة سنتين، شارك خلالها في مهرجانات الطيران العسكري والجيش سنة 1940، وكانت قصائده تُنشر في الصحف، فصار اسمه معروفًا في الأوساط الأدبية والصحفية. وفي تلك الفترة شجعه أصدقاؤه على دخول سلك التعليم، فعيّن مدرسًا للغة العربية في مدرسة أهلية، ونزع العمامة والجبة واستبدلهما بالسترة والبنطلون، كأنه يعلن انتقاله من طور إلى طور، دون أن يتخلى عن جوهره الثقافي العميق. وقد أُعجب أحد المفتشين بأسلوبه ومادته، فكتب إلى وزارة المعارف طالبًا زيادة راتبه الذي كان لا يتجاوز اثني عشر دينارًا.
ظلّ الوائلي يجمع بين التدريس والصحافة والشعر، إلى أن قرر سنة 1945 السفر إلى القاهرة للدراسة في جامعة فؤاد الأول، فقبل فيها ومكث أربع سنوات حصل بعدها على الليسانس بدرجة جيد جدًا، ثم التحق فورًا بالدراسات العليا، ونال الماجستير عن رسالته (الشعر السياسي في القرن التاسع عشر)، التي طُبعت مرتين وأصبحت مرجعًا مهمًا في هذا الميدان.
وفي القاهرة انفتح على عالم أدبي أوسع، فاتصل بأحمد حسن الزيات الذي نشر له قصائد كثيرة في مجلة (الرسالة)، ونشر كذلك في (الفجر الجديد) لأحمد رشدي صالح، و(الفكر الجديد) التي كان يصدرها سيد قطب قبل دخوله تنظيم الإخوان المسلمين. وكانت له صلات طيبة بحزب الوفد المصري، فنشرت صحفهم مقالاته ضد معاهدة بورتسموث، كما كانت له والدكتور عبد الرزاق محيي الدين رفقة هناك وعلاقة أدبية مميزة بالدكتور زكي مبارك، دارت بينهما مساجلات فكرية في الصحف المصرية.
عاد إلى العراق ليُدرّس الأدب العربي في كلية الآداب بجامعة بغداد، وسجّل أطروحته للدكتوراه بعنوان (التطور والتجديد في الشعر العراقي من سنة 1900 إلى 1939)، لكنها لم تُناقش ولم تُنشر لأسباب سياسية، فظلّ هذا العمل الكبير شاهدًا على مشروع علمي أُجهض قبل اكتماله. ومع ذلك واصل البحث والتأليف، وأصدر ديوانه بجزأين عن وزارة الثقافة والإعلام سنة 1981 و1982، وكتب عددًا من الكتب المهمة، منها:
(الشعر السياسي في القرن التاسع عشر)، و(ثورة العشرين في الشعر العراقي)، و(اضطراب الكلم عند الزهاوي)، و(لغة الشعر العراقي في القرن التاسع عشر)، و“(من أغلاط المثقفين)، فضلًا عن تحقيقه لديوان الشيخ علي الشرقي النجفي، وتقديمه لكتاب (شرح الفصيح في اللغة).
توفي الشاعر إبراهيم الوائلي عصر الجمعة الخامس عشر من نيسان سنة 1988، الموافق للسابع والعشرين من شعبان سنة 1408 هـ، بعد رحلة طويلة من العطاء. نُقل جثمانه من بغداد إلى النجف، ودفن فيها، وكأنما عاد إلى رحم المدينة التي أحبته وأحبها، المدينة التي شكّلته شاعرًا، وأعطته سرّ صوته، ومنحته خلوده الأدبي.