الدولة العادلة تبدأ من ثقافة التآخي ..

نوري جاسم

ليست الدولة العادلة مجرد نصوص دستورية تُكتب بحبر القانون، ولا شعارات تُرفع في مواسم السياسة، بل هي قبل كل شيء ثقافة راسخة في وعي المجتمع، وسلوك يومي يعكس إيمان الناس بأنهم شركاء في الوطن لا خصوم فيه. فحين تغيب ثقافة التآخي، تتحول المؤسسات إلى هياكل شكلية، ويصبح القانون أداة صراع لا ميزان عدل، وتضيع بوصلة الدولة بين المصالح الضيقة والانقسامات الحادة. إن العدالة لا تبدأ من قاعة البرلمان، ولا من منصة القضاء فحسب، بل تبدأ من عقل يؤمن بالتعدد، وقلب يعترف بحق الآخر، وإرادة سياسية ترى في التنوع قوة لا تهديدًا. العراق، بتاريخه العريق وتنوعه الغني، ليس بحاجة إلى مزيد من الخطابات المتشنجة، بل إلى مشروع وطني يعيد بناء الثقة بين مكوناته، ويؤسس لعلاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع تقوم على الحقوق والواجبات لا على الامتيازات والاستثناءات. إن ثقافة التآخي تعني أن يكون الاختلاف مصدر إثراء، لا مبررًا للإقصاء، وأن يكون الانتماء للوطن فوق كل انتماء فرعي، وأن تُدار الخلافات بالحوار لا بالتصعيد. الدولة العادلة لا تُبنى بالقوة، بل بالإنصاف؛ ولا تستقر بالهيمنة، بل بالشراكة؛ ولا تزدهر بالانغلاق، بل بالانفتاح على جميع أبنائها دون تمييز. إن مسؤولية ترسيخ هذه الثقافة لا تقع على عاتق السياسيين وحدهم، بل تشمل النخب الفكرية والإعلامية والدينية، كما تشمل الأسرة والمدرسة والجامعة، لأن بناء الدولة يبدأ من بناء الإنسان. وحين يتجذر التآخي في الوعي الجمعي، يصبح القانون تعبيرًا عن إرادة عامة لا عن غلبة طرف على آخر، وتتحول الدولة من ساحة تنازع إلى إطار جامع يحمي الجميع ويمنحهم فرصًا متكافئة. إن المرحلة الراهنة تتطلب شجاعة أخلاقية تعترف بالأخطاء، وتفتح صفحة جديدة عنوانها الثقة المتبادلة والعمل المشترك، فالأوطان لا تُنقذ بالمزايدات، بل تُبنى بالصبر والحكمة وتغليب المصلحة العامة. وإذا أردنا دولة عادلة حقًا، فعلينا أن نغرس أولًا ثقافة التآخي في خطابنا وسلوكنا ومؤسساتنا، لأن العدالة ليست قرارًا إداريًا، بل هي روح تسري في جسد الوطن كله. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما …

قد يعجبك ايضا