محمد محضار
عندما جلست بمقهى “بلادي” كان كُل همي أن أجد فكرة ذات بعد انساني تنهل
من قاموس يمتزج فيه الأصيل بالحديث، لكتابة قصة جديدة وفريدة، لهذا كنت
أحاول أن أقتنص تجلياتها، وأنا جالس أمام قهوتي سَادِرا ببصري في اتجاهات
مختلفة، وانتظر أن تجود عليّ بنات أفكاري بما يشفي غليلي ويحقق رغبتي
الدفينة .
وفيما أنا منصرف إلى إيجاد عتبة لولوج بوّابة الحكي، اِنتشر حولي باعة متجولون، يعرضون سلعهم التي تبدأ بلوازم الهواتف النقالة (وهذا اختصاص إفريقي) مرورا بالفواكه الجافة وعلب الشكولاتة والبسكويت، وصولا إلى مناديل الورق، لم يكن وجودهم يشوش عليّ ولكنه كان بالنسبة لي وسيلة لاقتناص نماذج لشخصيات مؤثرة في قصتي، وحبكة فاعلة تساهم في تطور الأحداث، وتحديد إطار زمكاني يمنح المصداقية للصراع المتصاعد وتسهيل كتابة الأحداث، اقتربت مني فجأة سيدة ترتدي جلبابا أفغانيا، ولا يظهر من خلف النقاب الذي كان يغطي وجهها سوى عينيها الثاقبتين، قالت بلهجة مشرقية :” صدقة ياحاج” ، نقدتها درهما، فقال كهل كان يجلس بجواري : “ أغلب هؤلاء من أكراد سوريا، ليسوا روماً ولا
عرباً” ، حرّكت رأسي موافقا ومبتسما في الوقت نفسه.
أغمضت عيني لحظة، وعندما أعدتُ فتحهما اكتشفتُ أن الكهل اِنصرف إلى حال سبيله، وأن هناك شخصاً في بداية عقده الرّابع يجلس على الكُرسيّ المقابل لي، حَيَّانِي بحرارة كأنه كان على معرفة مُسبقة بي، حدّقت فيه مَلِيا، تصفّحت ملامحه، أحسست بأنَّ صورته ليست غريبة عنيّ، ومع مرور الوقت اكتشفت أنه يُشبهني كثيرا، نعم يشبهني بشكل مثير للاستغراب، الفرق الوحيد الذي كان بيننا هو فارق السن، فهو في ريعان شبابه، وأنا كنت في أوج كهولتي، سألته بعد تردد قصير :
“ هل تُشرفني باسمك ؟“ –
رد مبتسما :
-أنا الراوي، جئت لأتسلم منك مفاتيح الحكي، وأنوب عنك في نقل أفكارك وتحديد الرؤية السردية التي تُسرد بها قِصتك .
مكثُ صامتا حينا، ثم قلت بصوت حاد :
-يبدو أنك تريد أن تمارس علي وصاية مُسبقة، تصل إلى حدِّ
تطبيق ما يراه بَارْت موتا حتميا للمؤلف غايته تحويل النص بالكامل نحو قراءَتِه، وطمس أي علاقة للمؤلف بأحداثه وشخصياته؟
قهقه ضاحكا، وهو يقول :
-اللغة هي التي تتكلم، وليس المؤلف كما يقول بارت ، والمؤلف يُرقّع فقط، والنص هو نسيج من الاقتباسات ومفهوم التناص ينشأ أيضًا من موتِ المؤلف.
قاطعته غاضبا :
-هل أنت راوٍ أم ناقد، لا تنسَ أنّني صانعك ومُوجّهك.
ردّ بهدوء :
-لا تغضب يا صديقي، كلانا يحتاج إلى الأخر، تذكّر أنني رسولك إلى المُتَلقّي وناقل أفكارك وخطابك، والقارئ لا يعرف سواي .
ظهر النادل فجأة، يطلب مني دفع ثمن مشروبي، لأن نَوبَته اِنتهت، نَقدْته الثمن شكرني ثم انصرف، اِكتشفتُ أن الراوي ترك مكانه، جُلت بناظري أبحث عنه، لمحته على الرّصيف المُقابل يقف بمحاذاة مسجد الحاج فاتح، أشار إلي ثم هتف بصوت عالٍ اختلطَ بهدير مُحرّكات السيارات والدراجات النارية:
-أنتظرُ منك تحديد مفاتيح السرد، وشخوص القصة، ومُجمل أحداثها، وحدود ذُروة صراعها واِنفراجها.
رفعت يدي موافقا على طلبه ثم قمت مغادرا المقهى، ركبتُ سيارتي ، أدرتُ مُحرّكها واِنطلقْت عائدا إلى البيت.
2
عند منتصف الليل، جاء الراوي وكان مشرق الوجه، فأخبرني بأنه قرأ كُل ما يتعلق بالقصة من أحداث وشخوص وصراع وكذلك تنوير وأنه لن يحتاج إلى إزعاجي بعد الآن.
3
كان دَوّار السَّبت يبدو هادئاً، وقد أرسلتْ شمس الظهيرة
أشعتها الدافئة عبر الحقول الجرداء الممتدة مِلءَ الأفق، لَاحَت بَعض الأشجار العارية ومناطق يغطيها نبات الصّبار في الساحة المقابلة لربوة “لالّة تُيوشَانِينْ” -وهو اسم يُطلقه أهل المنطقة على شجرة تعلو الرّبوة يتبرّك بها الأهالي ويعلقون عليها قِطعاً من ملابسهم الداخلية درءاً للتابعة والعين- انتصبتْ أربعُ خيام حِيكت من وَبَر الماعز نُسجت على أسَطحها العُلوية زخارف ومُطرزات ذاتُ أشكالٍ ترمز للثقافة المحلية، وداخل الخِيّام مُدّت زرابي زيانية ذات زركشات متنوعة، في جوانب الخيام وُضِعت أفرشة بِشكل شبه دائري، تَحُفّها طنافس تتوسطها موائد بأرجل قَصيرةً .
إحدى الخِيام كانت مخصصة للرِّجال والثانية للنساء، أما الثالثة فهي عبارة عن مطبخ مفتوح، في حين أُعِدّت الرابعة لفرق تنشيط حفل العُرس.
في الفضاء المقابل للخيام تم تَخصيص مضمارٍ فسيح للتبوريدة لإمتاع المدعوين بفُنون الفُروسية ومَهارات تنسيق إطلاق النار من بنادق “بُوحبّة” التقليدية
رَحّب بنا والدا العَروسين وكَانا من أعيان القرية.
قال والد العريس:
-أهلا وسهلا “بالفُقْها ديالنا”
رَدْدنا التحية بالابتسام وتبادل العناق، كنا أربعة، أنا ومدير المدرسة عَلِي الكرواني وهو كهل في بداية عقده السادس ومُعلمة الفرنسية خديجة الصافي ومُدرّس العربية الغالي بن داوود، أخذنا مكاننا بين الحضور وكان أغلبهم يرتدي الّلباس التقليدي، كالجلابة البزيوية، والجبادور الفاسي، خديجة فضلت البقاء
معنا في خيمة الرجال، رغم إلحاح المُضيفين على أن تلتحق بخيمة النساء.
اِنطلقت مراسِم الحفلِ بِرقصاتِ فرقة عبيدات الرمى التي تتكون في مجملها من رجال متفاوتين في الأعمار يرتدون “جَلابيب بيْضاء” وبُلَغٍ صفراء يَسُرُّ لونها النّاظرين، وعلى رؤوسهم عمائم تميلُ إلى اللون الكاكي، كان رئيسهم (عادة يُسمى المقدّم) يمسكُ بِيده مقصّاً كبيراً ( شَبِيه بالمِقص الذي يُستعمل في جزِّ الأغنام) يستعمله كآلة إيقاعية، بَدأت الفِرقة رقصها على إيقاع الدفوف و”الطعارج” ؛ وردد أفرادها مقاطع من فلكلور المنطقة تعيدُ إلى الأذهان أيّام الصيد و التحياح وكانت اللحظة كَرنفال فرجة حقيقياً، وقد تجاوب الحضور مع الجو الاحتفالي، فاَندفع بعضُ من “سَخّن” رؤوسهم ماء الحياة، إلى الرقص وتَرديد اللازمة خلف الفرقة
قال لي سي الكرواني مازحا:
-النشاط بدا، وَأَرَاكْ للفْرَاجَة!
رفعت صَوتي قائلا :
-اليوم خمر وغدا أمر، أليس كذلك يا أستاذنا الفاضل؟
قدّم لَنا الشّبابُ المُتطوعون من أبناء الدوار، كؤوس الشَّاي المُنعنع وَوضعُوا أمامنا صُحونا معدنية بَيضاء وقد اِحتوت على العَسل المَّحَلِّي والزّبدة البَلَدية مَصحوبة بِخبز ” إينور ” الساخن.
أكلنا بشَهية مَفتوحة، قالت خديجة إن الوَجبة لذيذة، لم تَكدْ تَكمل كَلامَها حتّى هَلّت أطباق ” التقلية” وهي تَتكون أَسَاسا من سَقْطِ الأَكْباش كَالأحْشَاءِ والأمعاءِ وقِطَعَ الكبد، المطهية بطريقة فريدة تعتمد على البهارات وعلى مهارة الإعداد..
وفِيمَا كُنّا مُنشَغِلين بالأكل، سَمِعْنا أنغام الكَمان تُلُهِب المَكان بِفيضٍ من الألحان، فانْتَبهنا فإذا بفِرقة الشّيخات قد بدأت في تقديم وصلتها، كان العازف كهلا يضع الكمان على ركبته اليمنى وهو جالس على كرسي خَشبي، وبجواره العوَّاد، وَنَاقِر الدَّرْبُوكة في حين اِصْطفت الرَّاقصات في صَفّ واحد تَتَوسطهن قَائِدُتُهن وهِي سَيدة في الخمسينات من العُمر، كَانَت باقي الشّيخات صَبايا دُون الثّلاثين يَخْتَلْن في قَفَاطِين مُوحّدة اللّون وَهُنَّ في كامِل زِينتهن .
علّق الغالي :
-الله! الله! على العيطة الزعرية!
ثم مضى يُردد مَع الفرقة:
-طريق جعيدان غادا نيشان
كان الإيقاع قويا، ونغمات الكمان عميقة تتماهى مع رنَّات أوتارالعود، فتخلق جوّا من السحر مشوبا بِدفء غريبٍ أَحْسَسْتُه يَغمرني وأنا أتَمايل ذات اليمين
واليسار.
أما الغالي فاندفعَ غَير آبِهٍ بشيء يُشَاركُ الشِّيخات رَقْصَهن، ولم يَتَردّد في
في “الغرامة “ عليهن بِورقات بنكية لهن.
جاءت شيخة نحونا تسعى، تسكب غُنجها في رقص اِعتبره سِّي الكَرواني مَاجنا، أما أنا فاكتفيتُ بالنظر إليها دون رأي مُسبق لأنها اِستطاعت أن تُوقعني في شباكها وهي تبتسم وتهمس لي بكلمات ملتهبة لأقتدِي بالغالي وأمنحها ورقة مالية، ودون تردّد علَّقتُ لها خمسين درهما، فتركتني إلى غيري، ضحك سي الكرواني قائلا :
-الشيخات والفقهاء لا يمكن أن تُفلت من الدّفْع لهم ، لكلّ واحد أسلوبه لكن الغاية واحدة وإن اختلفت الوسيلة.
قالت خديجة:
-عالم الشيخات يضج بالمفاجآت، كل واحدة منهن لها قصة تتقاطع مع المعاناة والانكسار، رقصهن وغناؤهن ظَاهِره بهجة وفرح، وباطنُه حزن وألم.
4
عاد الشباب المتطوعون وطلبوا منا اِلتئام كل ثمانية أنفار حول المائدة الواحدة، اِنضم إلينا أربعة ضيوف آخرين، عرفت منهم رئيس جمعية الآباء الحاج العوني، والممرض الرئيسي لمستوصف مركز المعادنة إسماعيل لَمْنَوّر، تبادلنا التحية ثم الحديث، و قلنا لبعضنا إن الحفل باذخ ، ودعونا لأصحابه بالسداد والتوفيق، وحلول البركة، وفيما نحن مُندمجون في تجاذب أطراف الحديث لاح شُبّان بلباس مغربي أصيل يحملون صُحوناً فضية فوقها لحم ضأنٍ مشوي تفوح روائحه الذّكِية من بعيد، أكلنا بشراهة فوق العادة، حتى انطبق علينا المثل القائل:(دخلنا بثلاثة وخرجنا بخمسة) وكانت لنا صولات وجولات مع الأكل الطيب الشهي، ورشفات الشاي المنعنع التي تنعش وتساعد على الهضم.
رُفعت صواني الشواء، وحلت محلها قصعات الكسكس بالخُضار السّبع وقد تصاعد بخارها، رغم التخمة التي شعرنا بها، أقبلنا على قصعة الكسكس نلتهم ما لذّ وطاب ونُكَوّر اللّقَم ونزدردُها مستمتعين بسحر المذاق وجمال النكهات التي تضفيها الخضروات المطهوة بعناية، والمحاطة بالبصل المعسل المخلوط بالزبيب والحمص (التفاية). كانت فرقة الشيخات لاتزال تصنع الفرجة، وهي تؤدي أهازيج من العيطة، وشَدّنِي رقص الشيخة التي تحرشت بي من قبل، وهي
تردد مع باقي عناصر الفرقة:
-آ الغادي للعلوة
تعالى نوصيك بعدا
إلى لحقتي سلم
العلوة لا تْكلّم
آ مالي آ مالي
مالي من دون الناس
الواحد في بيته هاني
وأنا بايْت عساس
آه خلوني نَبكي
خلوني نشكي
على زيارة العَلوة
سارو وما علموني
آ العلوة فين ماليك
وشكون باقي حاضيك
آ وزيدي صبري
الفراق جابو ربي
آ الغادي للعلوة
تعالى نوصيك بعدا
إلى لحقتي سَلّم
العلوة لا تكلم
آ مالي آ مالي
مالي من دون الناس
الواحد في بيته هاني
وأنا بايت عساس
آ الغادي عيب عليك
وا الجاي عيب عليك
تبّعتي أصحاب الحال
ونسيتي واليديك
وگالو ليا درتي
وانا شي ما درتو
وحق ربي المعبود
حبيبي لا فلتو
آه خلوني نبكي
خلوني نشكي
على زيارة العلوة
سارو وما علموني
آ العلوة فين ماليك
وشكون باقي حاضيك
آ وزيدي صبري
الفراق جابو ربي
آ الغادي للعلوة
تعالى نوصيك بعدا
إلى لحقتي سلم
العلوة لا تكلم
آ مالي يا ربي مالي
مالي من دون الناس
الواحد في مَلكه هاني
وأنا بايت عساس
تخيلتها ترقص لي دون غيري، وقد شَدّتْ وَسَطها، كانت مشتهاة
ولا يمكن التغاضي عن جمالها الصارخ، هِي أنثى بِمفَاتِن لا تَغفل عنها العين، سيقانها الممتلئة وصدرها البارز أيقظا في صدري لهيب شهوة حارقة وبعثا كل حوافز العنفوان الساكن في جسدي أفرطت في الخيال، وطويت صفحة السمو والفضيلة، وعطلت الذات الرقيبة، وسمحت لعقلي الباطن بارتكاب التمثلات التي لا تتماشى مع الأخلاق السائدة والأعراف المتواترة. صحوت من سهوي فجأة على صوت سي الكرواني وهو يُرَبتُ على كتفي بيده:
-يبدو أن بنات أفكارك حلقت بك بعيدا فنسيت الفاكهة
همست له ضاحكا :
-الفاكهة هي تلك التي تتمايل راقصة أمامنا
-يبدو أنك خرجت عن السيطرة أيها الأستاذ الفاضل!
-أنا لا أصمد أمام الجمال حتى ولو كانت صاحبته شيخة
عندما أنهت الشيخات وصلتهن الغنائية، بدأ استعراض التبوريدة، إذ اِصطف الفرسان بلباسهم الموحد، حاملين بنادق البارود التقليدية وانطلقت الخيل تثير الغبار، وكأن الأرض تبتسم لحوافرها بنشوة، والسماء تزهو بنقعها المترامي، وقفنا ضمن الواقفين نُصَفّق لركض الخيل وطلقات البارود الموحدة تندفع من فوهات البنادق مقترنة بأصوات الفرسان تُكبِّر وتصلي على النّبي.
في الجهة المقابلة كانت الشيخة التي “تحرشت” بي تقف ضمن المتفرجين على ركض الخيل، غير مبالية بما حولها، تسللتُ بخطى حذرة، مراعيا أن لا أثير انتباه أحد، حتى إذا أصبحت بمحاذاتها، همست لها بصوت خافت:
-هل أطمع في لقاء قريب؟
ردّت دون أن تنظر إلي:
-أنا أقطن بزنقة المطحنة، انتظرني يوم غد قرب محطة “الطاكسيات “على الساعة الواحدة بعد الظهر.
انسحبت بهدوء عائدا لمكاني، استقبلني سي الكرواني بابتسامة ماكرة قائلا:
-يبدو أنك كلّمتها وكلّمَتْك ؟
قلت بصوت خافت:
-لم أستطع صبرا يا أستاذي الفاضل.. الحياة بما لها وعليها تضعنا في سياقات خارجة عن إرادتنا، وأيام الحكمة والرزانة آتية لا ريب فيها.
ضحك وقال:
-عنفوان الشباب يدلّل العقبات والصعاب.
كانت الخيل ماتزال تصنع الفرجة، والفرسان يطلقون البارود، والناس فرحون سعداء، والعروسان يحظيان في خيمة النساء باحتفاءٍ خاص وطقوس نابعة من تقاليد محلية تستعيد تاريخ القبيلة وأمجادها الضاربة في القدم.
5
اكتشفتُ أن الراوي تجاوز الخطوط الحمراء في حكيه، وتدخل في حياتي الشخصية، ولم يتردد في دمج بعضٍ من فُصولها في سياق سرده لأحداث القصة، قلت له بغضب:
-علاقة بطل النص بالشيخة، أراها مجرد نشاز ولا محل لها في متن القصة.
-بل هي الحافز والمحرك لتطور الحبكة، لا تحاول أن تربط بين شخصيتك وشخصية البطل فأنا لا أمارس الإسقاط.
-أنت مُخاتل لَعِين، وتَتصرّف في تجاربي ومغامراتي كأنها ملك خاص بك، تذكر أنك لست أنا، وأنا لست أنتَ.
-أنت من صَنعني وعليك تَحمُّل مسؤوليتك والقبول بقواعد اللعبة
-ولكن عليك احترام تصوري العام للأحداث، ورؤيتي الفكرية والفنية.
-لا تنسَ أنني القناع الذي تتخفى خلفه باعتبارك الكاتب لتقديم
عملك السردي، وفلوبير يقول: “يجب أن يكون الروائي في عمله
كالإله في الكون، حاضرا في كل مكان وغائباعن كل عين “
6
نقطة نظام: مع الاعتذار للكاتب، سأواصل سرد الأحداث بضميرالمتكلم باعتباري الكيان التخيلي صاحب الصوت الفعلي الذي لا يعلو صوتٌ على صوته، حتى وإن تقاطعت بعض الأحداث والشخصيات مع حياة الكاتب الفعلي الشخصية.
****************
غادرنا الحفل، بعد أن دَعونا لأصحابه بالخير العميم ، و تمنينا الذرية الصّالحة للعروسين
قال الغالي بصوت هامس:
-يبدو أنك فتحت صفحة غرامية مع الشيخة التي نفحتها بخمسين درهما.؟
قلت له:
-يا صديقي، انسَ الموضوع، فقد انتهى قبل أن يبدأ
في صباح اليوم الموالي، قصدت المكان الموعود، وجاءت مالكة وهو اسم الراقصة الشعبية، في الموعد المحدد، قالت إنها تسكن شقة صغيرة صحبة فتاة من مراكش تعمل خادمة لدى أسرة أجنبية يشتغل ربها مهندسا بقطاع الفوسفاط، وزوجته تعمل طبيبة بالمستشفى العمومي، قلت لها: إنَّ هذا جميل.
فردت مبتسمةً:
-سجلت مؤخراً شريط كاسيت بصوتي مع المجموعة بأحد استوديوهات
الدار البيضاء.
-وهذا أجمل
قاطعتني ضاحكة:
وادي زم مدينة صغيرة والناس لا ترحم
قلت بصوت تشوبه نبرة تأكيد:
-يُستحسن أن نسافر لمدينة خريبكة، هناك نستطيع أن نتلافى أعين الرقباء
ترددتْ لحظة، ثم وافقت، ركبنا سيارة أجرة في اتجاه خريبكة،دفعتُ ثمن الأماكن الشاغرة للسائق، انطلقت بنا سيارة المرسيديس الخضراء تَطوي الطريق طيا، قالت مالكة بصوت خافت:
-”خريبكة عجبتني راها سَايرة تَبْنِي.”
فكرتُ:
-”عُمّرْ الشِّيخة تَنْسَى هَزّة لَكْتَفْ.”
إنّ جَمالُها يغفر لها كل ما يَبْدُر منها من لغو ولغط، ومن حقها علي أنْ أتجرّد من الوَعْي الشَقِي الحَاضِر في تفكيري والحُمولة الثَقافِية التي تَسْكُنني منذ اكتشفت أهمية التساؤل، وضرورة النّبش في ماهية الأشياء وجوهر الذات، الآن لا شيء يعلو على نداء الغرام ورغبة الجسد.
ولعل العلاقة الجدلية بين الدماغ -باعتباره مسؤولاً عن الوظائف المعرفية العليا كالتفكير واللغة والذاكرة والإدراك- والعقل -باعتباره مفهوماً مجرداً وغير مادي- باتت شبه معطلة. أنا الآن في حِلّ من كل ما يحيل على القيم الحميدة والأخلاق الفاضلة، مستسلم لاستيهاماتي في سياق عالم موازٍ يمزج بين الواقع والخيال، ويفتح أبوابه على مصراعيها ليحتضنني.. أنا ومالكة.
عندما وصلنا لمدينة خريبكة، اسْتقللنا سيّارة أجرة، نحو الحي الأوربي الذي أنشأه الاستعمار الفرنسي إبان الحماية، نزلنا بشارع ألفريد بوجي، واتجهنا صَوب بنايات العُزاب الخاصة بأطر مكتب الفوسفاط.
قالت مالكة:
-هذا الحي جميل، كله خضرة ونضارة، و المغاني منظرها يُريح القلب
أخبرتها أن “الكارسونيير” التي ستأوينا تخص صديق طفولتي “عباس “الذي يشتغل تقنيا بمناجم الفوسفاط، قالت ساخرة:
-لا يهم من يكون صاحبها، ولكن المهم أنها في مكان آمن بعيدا
عن أعين الرقباء والفضوليين.
عندما وصلنا إلى الشقة، فتحت الباب، وضغطت على زِرّ الضوء، المكانُ يبدو هادئا، صالون الصغير بكنبات جلدية تحتضنُ مائدة من خشب الزان مستديرة الشكل، وفي الجهة المقابلة له مطبخ بتجهيزات بسيطة: “حوض غسل الأواني من الألمنيوم، خزانة معلقة، ثلاجة متوسطة الحجم، موقد غاز لطهي الطعام…” ودهليز
يفضي إلى غرفة النوم، وبجوارها حمام بِرشاش فضي اللون .
قالت مالكة:
-هل أستطيع أن آخذ دُشا، حتى أزيل عني عياءالسفر
قلت :
-طبعا يمكنك ذلك، الماء ساخن ولوازم الاستحمام كلها بالحمام
أعددت صينية الشاي، وشطائرَ بالجبن وفطائر السجق، وأيضاً طبق فواكه جافة وطبق زيتون، ووضعت الكل في الصالون، ولم أنسَ بعض علب الجعة الباردة. خرجت مالكة من الحمام وقد لفت جسدها في رداء قطني، فقدمت لها “فوقية”
لترتديها، ثم جلسنا في الصالون نتجاذب أطراف الحديث ونحن نأكل الشطائر
ونرشف الشاي. قالت مالكة:
-عيناك فيهما سحر غريب !!
ابتسمتُ وقدمت لها حُقّ بيرة، وفتحت أخر لي، دلقته في جوفي دفعة واحدة، وقلت لنفسي :
“ اليوم خمر، وغد أمر ونداء الجسد لا يُمكن كبحُ جماحه، وردعه، فهو دينامو
الحياة ومنتهى الغايات”
سايرتني مالكة في توقي وميولي، واستجابت لما أبديته من إعجاب بها ورغبة
في تذوق فاكهتها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قامت ترقص على أنغام
أغنية الحاجة الحمداوية: “منين أنا ومنين أنت”.
عذرا أيها القارئ، صديقنا الكاتب يطلب مني التوقف عن السرد، ويريد التّدَخّل، فلا ضَيْر إن أفسحت له المجال ليعبر عن كوامن صدره و سوانح خاطره، فهو في آخر الأمر شريك فعلي في السرد ولو من خلف ستار، فأرجو أن يُفْضي بِمَا عَنَّ له وينصرف إلى حال سبيله.
-” ليتك تحترم العقد الذي بيننا أيها الراوي، وتبتعد قدر الإمكان عن وصف ما لا يوصف، وتكتفي بالتلميح دون التصريح، لأنك تتحدث بلساني، والقصة ستُذيل باسمي ولن يعرف القراء غيري.
-”سيدي الكاتب، الأدب لا خطوط حمراء له، فكن عادلا في تقييمك وتجنّب
دكتاتورية الرأي وممارسة النفاق الاجتماعي من أجل كسب ودّ المُحافظين الذين
يلبسون ثوب التقية وهم غارقون في الرذيلة”
! -أنت دائما تحاول أن تُفحمني بحججك
-”أنا على حق، وأنت تستمتع بحكيي وسردي للأحداث، لأنه يذكرك بتواريخ
ومحطات من حياتك. “
عوداً على بدء؛ انصرف الكاتب إلى حال سبيله بعد أن شوش على أفكاري. كان رقص مالكة فرجوياً، وأجمل ما فيه أنه كان لي وحدي دون سواي، فلم أتمالك نفسي وقمت أشاركها الرقص والشيطان يقاسمنا خطانا، حتى إذا كلّت منا الأجساد دخلنا إلى غرفة النوم.
عدنا في ساعة متأخرة إلى مدينة وادي زم على متن الحافلة التي تربط بين
الدار البيضاء وخنيفرة، قالت لي مالكة أنها قضت معي وقتا ماتعا، وأن المعلمين ليسوا بُخلاء كما يروج بعض الخبثاء، قلت لها بأن معلمي عقد الثمانينيات كرماء وطيبون، وما في جيبهم ليس ملكا لهم.
افترقنا على أمل اللقاء بين الفينة والأخرى كلما سمحت الظروف، وكان الجيب “ساخنا” بدراهم الخزينة العمومية.
6
بعد يومين من حفل العرس، تعطلت المدارس، وغادر التلاميذ والمدرسون
الفصول للاستمتاع بعطلة منتصف السنة الدراسية، جمعت حقيبتي وسافرت إلى حَامة مولاي يعقوب صحبة الغالي الذي تستقر أسرته بالمدينة، وذلك للاستجمام وتسخين العظام والاستفادة من مياه الحامة، فهي تفيد في علاج الطفح الجلدي
والبثوروالحطاطات، ولنا فيهاأيضا مآرب أخرى من قبيل إرخاء العضلات
وتخفيف آلام
المفاصل وأوجاع الظهر .
عندما نزلت إلى صهريج الماء الساخن بالحامة، انتابتني نشوة غريبة، وأحسست بدفء وجوديٍّ قويّ نفض عني غبار الصمت الرابض على صدري، فصرت
أُردّدُ بصوت جهوري:
-”بارد وسخون آ مولاي يعقوب.”
تَذكّرت شذرات من الماضي بدتْ لي مؤثرة وتعيد الحياة لذكريات شاحبة عشتها بالدّم والدموع، وتسببت لي في نكسة بطعم المرارة، وشعور بالخذلان والانْكسار في زمن النُّكوص والارتداد، تذكرت أنه كان صَرحا من خيال فهوى وأن قصة الحب التي عشتها كغرٍّ جاهل بالحياة انتهت بخيانة غير منتظرة من رُقَيِة الفتاة الرقيقة والجميلة، التي اعتقدتُ أنها ستكون قرينة لي ذات يوم من أيام الله القادمة، لكن الأحداث صارت على غير هوايَ ووقع ذلك الشرخ العظيم الذي غير مجريات حياتي، وحوّلني لِزير نساء، يعيش اللحظة بكل حذافيرها، ولا يفكر بغير المتع الحسية، ويؤمن بأن الحب مجرد تفاعل كيمائي بين الهرمونات السحرية الثلاثة الدوبامين والسيروتونين و النُورإِبينِفْرِين (النور أدرينالين )والتحكم فيها يُغير قواعد اللعبة ويجعل الحب الرومانسي مجرد نُسخ مُكررة مع العديد من العشيقات.””
عدت إلى نفسي وانطلقت أردد من جديد :
“بارد أو سخون آ مولاي يعقوب”-
حتماً، هذا الماء المعدني الساخن الذي يحتوي على نسب مرتفعة من الكبريت هو وسيلة للاستشفاء، وكذلك الانتشاء، وبفضله أستطيع أن أعيد ترتيب أوراقي من جديد في زمن قاعدته الردّة وأساسه الخروج عن المألوف.
عندما خرجت من صهريج الماء، كنت في حالة ارتقاء وتعالٍ تتجاوز حدود
تفكيري؛ كنت سعيداً بحق، وغير مبالٍ بالقادم من أحداث ووقائع.
أخبرني الغالي أن والديه، يُصرّان على عقد خُطبته على ابنة خالته الشابة التي لم تتجاوز بعد العشرين من العمر، ولكنه طلب منهما تأجيل هذا المشروع إلى حين، وقال لي بنبرة ساخرة:
– “ما الذي يمنعك يا كازانوفا من الزواج وطي صفحة الماضي؟”.
لم أعلق على كلامه، واكتفيت بابتسامة باهتة.
مرت أيام العطلة سريعة، وعدت إلى مدينة وادي زم في ساعة متأخرة من
الليل. كان الجو بارداً، والناس قد آووا إلى مساكنهم، ولم يبقَ إلا بعض المتشردين يقاومون قسوة الطقس وشدته. دعكت يديّ، وانطلقت أستحث الخطى نحو
مسكني؛ قطعت زنقة “الحدادة” في اتجاه شارع المستشفى.
في هذا الليل الشتوي، أحسست بحركة غير عادية وأنا أقترب من بناية المستشفى التي كانت تبدو شاحبة غارقة في الكآبة، وقد انعكست عليها أنوار المصابيح
العمومية الباهتة. وعندما أصبحت قريباً من محيطها، لمحت تجمعاً كبيراً لرجال ونساء أمام البوابة الرئيسية، كان أغلبهم في حالة ذهول، وكانت النساء يولولن
ويبكين بحرقة.
وفجأة، شعرت بيد تربت على كتفي، فالتفت لأجد نفسي في مواجهة
“علي بن ذباب”، وهو شاب من أبناء “دوار السبت”، هتف بي قائلاً:
“كيف هي أحوالك يا أستاذ؟”.
أخبرته أنني بخير، وسألته بصوت مفعم بنبرة اندهاش:
“ماذا هناك؟ وما سبب تواجد هذا الجمع من ساكنة الدوار بالمستشفى؟”.
رد بغصة:
“انتحرت دامية مساء اليوم، شربت سم الفئران!”.
ثم تابع مستدركاً:
“دامية.. الفتاة التي حضرت حفل عرسها أنت وزملاؤك منذ أسبوعين”.
نظرت إليه باستغراب وقلت:
“انتحرت! أرجوك قل شيئاً غير هذا؟”.
“يبدو أنها كانت على علاقة بشاب آخر، وأُجبرت على الزواج بغيره، فكانت
الكارثة”.
بدا الأمر لي قريباً من قصة ركيكة مبنية على التناقضات، وأن الانتقال من الفرح إلى الحزن هو مسألة وقت ليس إلا بالنسبة إلى كل إنسان، وأن ما يفصل
الأعراس عن الجنائز لا يعدو أن يكون شعرة دقيقة؛ فعرس دامية تحول إلى مأتم ولو بعد حين، والمباركون الذين قدموا التهاني والتبريكات، سيعودون لتقديم
التعازي وهم يبدون الحزن والأسى، وتستمر ثنائية الحياة والموت طاغية
وحاضرة في انتظار المجهول.
تابعت سيري نحو مسكني وأنا غارق في تساؤلاتي المتداعية بشكل عشوائي،
وقلت لنفسي: (كيف للحب أن يقتل؟ ويصبح خنجراً مسموماً يغرسه العاشق في قلبه عن طيب خاطر بعد أن يُحرم من وصل الحبيب؟).
ليل وادي زم البارد يشهد أن هناك خللاً وجودياً ضارباً في عمق الذات البشرية، يضع كل الأشياء موضع شك، والمقياس الذي يحكم المنطق تتهاوى موازينه
وتصبح معاييره بلا أهداف وخارج دائرة التحكم؛ فنفتقد الغاية المحددة سلفاً،
ونغرق في حمأة الضياع.
عندما وصلت إلى مسكني، كان الصمت يغشاه، وجدرانه باردة،
هرولت نحو غرفة النوم كان الفراش على حاله غير مرتب، غيّرت ملابسي، ودسست نفسي تحت الغطاء، تَركْت مصباح الضّوء مُضيئا، وأسلمت
جفوني للنوم .
طيلة الليل داهمتني أحلام مزعجة، رأيت صورة دامية في وضعيات متعددة وعريسها يخنقها تارة ويجلدها تارة أخرى، كانت تصرخ طالبة النّجدة وفي صوتها وجع وألم، ورأيت أيضا صورة مالكة الرّاقصة الشعبية وهي ترقص على إيقاع عيطة زعير، وتمُدّ لي يدها مُستنجدة لكنني لا أستطيع الامساك بها فَتضيع وسط زوبعة عاصفة عنيفة.
7
كان الكاتب يَجلس بمقهى بلادي وهو منصرف إلى اِحتساء قهوته، عندما جلستُ على الكرسي المقابل له، سألته بصوت خافت :
-ما رأيك أيها الأستاذ في طريقة تعاملي مع المُتن الحِكائي وإخضاعه لتقنيات السّرد وأساسيات المبنى الحكائي؟
ظل صامتا، وهو ينظر إليّ بوجوم ثم قال :
-أيها الراوي اللعين! أنا أفكر وأتدبر أمرَ الأحداث وأنت تجني ثمار مجهوداتي، ولا تتردد في اقتحام فصول حياتي الشخصية التي تقدمها للقراء دون إذن أو موافقة مني.
اكتفيتُ بالابتسام، وغادرتُ المكان في انتظار فكرة جديدة تعّنُّ لصاحبنا في أيّ
زمن أو مكان .
محمد محضار 21 دجنبر 2025م