أورنيلا سكر
إن هذا التقارب الايراني –السعودي يأتي في سياق سلسلة من المفاوضات والتفاهمات السابقة التي اثمرت تقدم هذا التقارب برعاية الصين. والجدير ذكره هنا أن أي تفاهم متخيل أو محتمل هو حاجة ملحة للطرفين لحفظ أمن المنطقة وتفاديا للتوتر والفوضى ومنعاً للصدام والحروب . إن هذا النهج المعتمد اليوم من قبل المملكة السعودية اصبح حاجة ملحة ياتي في سياق تبادل الرسائل الدولية والاقليمية وتعزيز الشراكات والتعاون في كافة المجالات الامنية والديبلوماسية والاقتصادية والسياسية . فهل يلتزم الطرفين بهذا التقارب والاتفاف؟
إن الاجابة عن هذا السؤال، بديهي من جانب كلا الطرفين أي، الرياض وطهران لحلّ الخلافات والنزاعات القائمة بينهما . إذ أن الطرفين يسعيان لتحصيل مكاسب والضغط على الولايات المتحدة الامريكية وبخاصة بعد أن اظهرت الولايات المتحدة عدم اكتراثها بأمن السعودية سواء في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وابتزاز المملكة العربية مادياً مقابل تقديم الحماية لها او عدم الضغط على الجانب الايراني للحد من الهجمات والانشطة العدوانية والارهابية على امن الرياض الجيوسياسي في المنطقة الشرقية أو الاعتداءات المتكرر على منشآت النفط والغاز في ارامكو أو، المنشآت الاماراتية . ويأتي نهج الرئيس جو بايدن مماثلاً لنظيره باعتبار، أن المواقف التي تعتمدها الادارة الامريكية ليست بالكافية لوضع حد للمشروع الامبريالي الفارسي في الخليج العربي بشكل خاص والمنطقة. كما أن المشروع النووي الايراني بات يشكل تهديد وجودي لامن منطقة الخليج . إذ أن الرئيس الامريكي جو بايد حاول استرضاء المملكة العربية باتفاق غير مرضي للجانب السعودي يكمن حول مسألة التسليح النووي على الشاكلة الايرانية، وتقديم الحماية المطلوبة لدول الخليج غير أن الولايات المتحدة حاولت توفير البدائل على أن تكون المملكة السعودية حليف لكن خارج حلف الاطلسي . غير أن السعودية رفضت هذا العرض واستجابت إلى الشراكة الروسية والصينية بفعل الامتيازات التي يقدمونها والتعاون الملتزم الذي عبّروا عنه سواء بدعمهم بالاسلحة والتقنيات المتطورة على عكس الموقف الامريكي الذي رفض تسليح الخليج سواء السعودية والامارات بالاسلحة على الرغم من الاموال الضخمة التي جنتها الولايات المتحدة نتيجة صفقات الاسلحة، وهذا إلى جانب تكرار نفس التجربة مع مصر زمن الرئيس المصري انور السادات حين طالب الامريكي بتزويده سلاح ف-16فعجزت الولايات المتحدة عن فعل ذلك من أجل أن لا تصبح مصر قوة عسكرية تتفوق على اسرائيل ولاتزال العقيدة الأمريكية مستمرة إلى يومنا هذا .
شروط الرياض
وفي سياق متصل ، يرفض الكونغرس الامريكي الرضوخ لشروط الرياض بحجة الدفاع عن القيم الأمريكية الامر الذي يقصد من خلاله، إثارة الولايات المتحدة اشكالية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي واتهام المملكة السعودية بقتله . كما أن الهجمات الحوثيين على الامن الخليجي دفع دول الخليجية كل من الامارات والسعودية الى اتخاذ قرار مواجهة التخاذل الامريكي بشأن الوعود التي قدمتها دون تفعيلها وممارستها الامر الذي أظهر واشنطن بالموقف غير الجدي حال دون مواجهة العدوان الايراني والعبثية التي مارستها طهران في الامن الخليجي. إن تصاعد أهمية سيكولوجية الازمات وادارتها من الجانب السعودي اليوم ، يأتي في إطار استباق أي قرار حرب أمريكية- اسرائيلية محتملة على ايران ، قد يؤدي الى انعكاسات وتداعيات خطيرة على الامن الخليجي.ومن أجل تفادي كل تلك الضربات والهجمات، تسعى المملكة السعودية الى التقارب مع ايران لتوجيه رسالة واضحة الى الولايات المتحدة انها لا تبالي إن توترت العلاقات السعودية –الامريكية واعتماد نهجا مخالفاً لعهد الملوك السعوديين وذلك بسبب عدم احترام الولايات المتحدة العهود والاتفاقات التي وعدت بها .
وهذا ما اشار إليه ولي العهد سمو الامير محمد بن سلمان لمجلة ” الاطلانتيك ” بقوله:” من يهتم أن توترت العلاقات بين الرياض وواشنطن ، اذا خرجت واشنطن من هذا التحالف التاريخي، نحن لدينا بدائل اخرى نرغب أن تستثمر عندنا ، ونتبادل معها المشاريع والاستثمارات المشتركة”.إن هذا الموقف الحاد من الجانب السعودي باتجاه واشنطن لم يأتي بصفة مؤقتة بل هو موقف تصعيدي غير قابل للتراجع أوالتبعية المستمرة للادارة الامريكية بخاصة، ان الرياض تحاول تحسين علاقاتها مع طهران وتعزيز التعاون الديبلوماسي وحل الخلافات بينهما بشكل مباشر دون الدعم الامريكي الذي عبر عن فشل مدوي في كافة الساحات التي خاضت حروبها العبثية بحجة نشر الديمقراطية سواء في أفغانستان حيث جنت واشنطن فقط سيطرة طالبان بعد احتلال دام عشرين عاماً ، وسوريا التي تواعدت بهزيمة وسقوط الاسد حيث بقي الاسد وتشرد الشعب السوري . ناهيك، أن الموقف الاسدي اليوم يراهن على الحوار في موسكو حول التطبيع مع تركيا في محاولة لحل الخلافات الجيوستراتيجية والامنية حول اي تسوية مستقبلية محتملة عبرحجز مقعدا له . إضافة الى ذلك،أن سلاح الطاقة في الحرب الجيوسياسية اثبت ضعف الولايات المتحدة في دفع المملكة السعودية الى تأييد مطلبها حول رفع الانتاج النفطي وبخاصة، أن الشركات النفطية داخل الولايات المتحدة تعجز عن رفع الانتاج لان استثمارات شركاتها النفطية تضرّرت جراء جائحة كورونا .
لذلك تنظر طهران الى هذا التقارب الحاصل مع الرياض بالخطوة الايجابية التي تعبر عن شراكة اقليمية متخيلة تحولت إلى أمر واقع بفعل قيادة الامير محمد بن سلمان وحرصه على مصلحة الامن الخليجي في حرب محتملة بين ايران والولايات المتحدة . كما أنها خطوة استباقية لمواجهة الغرب والولايات المتحدة من أجل الحد من العقوبات الاقتصادية وتخفيف التوتر والفوضى في المنطقة وبناء تكتلات اقليمية –مشرقية برعاية صينية وروسيا يعود بالمردود والمنافع إلى جميع الاطراف المستفيدة من هذا التقارب سواء الصين او روسيا او ايران خاصة أن الجميع بات يتململ من واشنطن، بما فيه الشريك الاوروبي. وهذا ما عبّرت عنه المواقف الاوروبية في الحرب الأوكرانية على خلفية بيع الولايات المتحدة النفط بأربعة أضعاف لفرنسا وألمانيا.
الخيار العسكري
وبالتالي، فقد سعت المملكة العربية السعودية جاهدةً مواجهة التهديد الايراني منذ الحرب العراقية –الايرانية وصولاً الى الحرب السورية حيث استخدمت الخيار العسكري والحرب بالوكالة كما هو حاصل في لبنان بهدف الحدّ من التهديد الايراني وتأثيراته وتداعياته على الأمن القومي السعودي، لكنها توصلت إلى قناعة أن التجربة الامثل ، هو الإحتكام الى القوة الدبلوماسية من خلال تعزيز سياسة الإكراه اتجاه الولايات المتحدة والضغط عليها تفاديا لحرب استنزافية قد تقضي على العروش والملوك والأمن الخليجي على غرار تجربة الحرب الروسية –الأوكرانية التي تستنزف فيها الولايات الكتحدة كل يوم أكثرالاوروبيين والاوكرانيين في مواجهتهم مع الروس . كما أنه من المفيد أن نشير إلى هذه الفرصة الذهبية التي تأتي نتيجة التغيرات الجيوسياسية المتصلة بأمن الطاقة من جهة، وحاجة إيران الى الاستقرار الداخلي والاقليمي والحد من العقوبات الاقتصادية عليها.
{ باحثة في العلاقات الدولية والدراسات الاستشراقية