الجزء الثاني
أ.د. محمد الربيعي
اصلاح المجلات الوطنية
تصدر الجامعات العراقية عشرات المجلات العلمية، لكن معظمها خارج التصنيفات الدولية وتعاني من ضعف التحكيم وتكرار المحتوى والتأخير في المراجعة والنشر وغياب الاستمرارية. المطلوب هو رفع معايير التحكيم واعتماد النشر المفتوح وتدريب المحررين وربط المجلات بمراكز القرار الحكومي لضمان التمويل والاستقرار. يمكن إطلاق “البرنامج الوطني لتأهيل المجلات العراقية”، بهدف تصنيف 50 مجلة خلال خمس سنوات، وتوجيه المجلات العلمية نحو التخصص الدقيق في مجالات تمثل نقاط قوة وتميز للجامعة، مع تعزيز انفتاحها على النشر المشترك مع باحثين فاعلين من خارج العراق، وذلك ضمن عدد محدود ومدروس من المجلات التي تعكس فيها الهوية البحثية للمؤسسة وتسهم في رفع مستوى التأثير العلمي والتعاون الدولي.
تمكين الباحث العراقي
يعاني الباحث العراقي من تحديات بنيوية ومعرفية تعيق قدرته على تنفيذ أبحاث رصينة ونشرها في المنصات العالمية المعتبرة. من أبرز هذه التحديات ضعف التمويل المخصص للبحث العلمي، مما يحد من إمكانية إجراء دراسات ميدانية أو تجريبية ذات جودة عالية. كما أن غياب التدريب المنهجي على مهارات البحث وأساليب الكتابة الأكاديمية وآليات النشر الدولي، يسهم في اتساع الفجوة بين الباحث العراقي ونظرائه في العالم.
يضاف إلى ذلك ارتفاع رسوم النشر في العديد من المجلات المفهرسة، والتي تطلب أجورا باهظة من الباحثين، في ظل غياب سياسات دعم واضحة من المؤسسات الأكاديمية والتي يتوجب على الجامعات تثبيط النشر فيها وبدلها يتم دعم النشر في المجلات المجانية الرصينة، التي تتيح النشر دون مقابل، وتعد خيارا مهما للباحثين في البيئات محدودة الموارد.
صناديق تمويل بحثي ونشري
ولتمكين الباحث العراقي، لا يكفي تقديم حلول جزئية، بل المطلوب هو بناء منظومة دعم متكاملة تشمل تخصيص صناديق تمويل بحثي ونشري، وتوفير خدمات تحرير أكاديمي احترافية تساعد الباحث في تحسين جودة كتابته وتوافقها مع المعايير الدولية، وتنظيم ورش تدريبية مستمرة في منهجيات البحث والنشر، تستهدف مختلف مراحل المسار الأكاديمي.
كما ينبغي بناء شراكات دولية استراتيجية مع جامعات ومراكز بحثية عالمية، تتيح فرص التعاون والنشر المشترك، وتسهم في نقل المعرفة وتبادل الخبرات. ويجب أن تصمم هذه المبادرات ضمن رؤية وطنية واضحة، تدرك أن تمكين الباحث ليس ترفا، بل ضرورة لبناء مجتمع معرفي قادر على الإسهام في حل مشكلات العراق، وتعزيز حضوره في صناعة المعرفة العالمية.
تعزيز النشر باللغة العربية في الوقت الذي يشجع فيه النشر باللغة الإنجليزية لأغراض الترقية الأكاديمية، يلاحظ تهميش متزايد للنشر باللغة العربية، حتى في التخصصات التي ترتبط مباشرة بالواقع الثقافي والاجتماعي، كالفلسفة والتربية والعلوم الإنسانية والاجتماعية والتاريخية. هذا التوجه يضعف قدرة البحث العلمي على خدمة المجتمع ويقصي جمهورا واسعا من الباحثين والطلبة عن الاستفادة من المعرفة المنتجة. من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للنشر بالعربية من خلال تقديم حوافز أكاديمية واضحة، واحتسابه ضمن متطلبات الترقية، خاصة في التخصصات ذات الطابع المحلي. كما يتطلب الأمر دعم المجلات المحكمة التي تنشر بالعربية، وتوفير منصات رقمية مفتوحة الوصول، وتنظيم جوائز وطنية سنوية لأفضل الأبحاث المنشورة بالعربية، وتطوير أدوات تقنية متخصصة لتدقيق اللغة العلمية، تراعي الخصوصية الاصطلاحية لكل تخصص. وفي هذا السياق، يقترح تأسيس “منصة البحث والنشر العلمي العراقي” كمبادرة استراتيجية لتجميع الأبحاث المحكمة المنشورة داخل العراق، وإتاحتها مجانا للباحثين والطلبة، وربطها بالمكتبات الجامعية ومراكز التوثيق، وتخصيص قسم خاص للأبحاث المنشورة بالعربية، مدعوم بأدوات لغوية وتقنية، بما يسهم في تعزيز ثقافة القراءة والبحث، واستعادة الهوية العلمية الوطنية.
النزاهة العلمية حجر الزاوية في الاصلاح
في قلب اي اصلاح حقيقي لمنظومة البحث والنشر العلمي، تبرز النزاهة العلمية كحجر الزاوية الذي لا يمكن تجاوزه او الالتفاف عليه. فالنزاهة ليست مجرد التزام اخلاقي، بل هي شرط وجودي للثقة، ولانتاج معرفة صالحة ونافعة. في السياق العراقي، تتفاقم مظاهر الخلل الاخلاقي في البحث العلمي بشكل مقلق، حيث باتت ممارسات مثل الانتحال والاقتباس غير الموثق وشراء الاوراق الجاهزة ظواهر شبه مألوفة في بعض الاوساط الاكاديمية، لا سيما في ظل غياب الرقابة الفاعلة وتراخي المعايير وضغط الترقية والنشر الكمي. لقد تحول البحث في كثير من الحالات الى سلعة تباع وتشترى، تنتج في مكاتب تجارية او تستورد من منصات الكترونية، دون اي ارتباط حقيقي بالباحث او بالمشكلة العلمية المطروحة. هذا الانحدار لا يهدد فقط جودة الانتاج العلمي، بل يقوض ثقة المجتمع بالجامعة، ويفرغ البحث من رسالته التنموية والمعرفية.
…………………………………….
* بروفسور متمرس ومستشار تربوي، جامعة دبلن