الأزمة” وإدارة الأزمة وتأثيرها على حياة الشعوب والدول

إعداد ـ التآخي

الأزمات ليست مجرد حوادث عارضة، بل هي لحظات فارقة تختبر مرونة الدول وقوة تماسك الشعوب. ​الأزمة هي نقطة تحول جوهرية تتسم بالخطورة والتعقيد، وتتطلب اتخاذ قرارات حاسمة في وقت قصير لمواجهة تهديد مباشر للقيم والمصالح الأساسية.

​على مستوى الشعوب، تتمثل في اهتزاز الثقة بالثوابت، أو مواجهة كوارث طبيعية، أو صراعات أهلية تمس النسيج الاجتماعي. ​على مستوى الدول، هي حالة من الخلل المفاجئ في النظام العام (سياسيا، اقتصاديا، أو أمنيا) تؤدي إلى شلل في قدرة المؤسسات على أداء وظائفها التقليدية.

هل تفلح “إدارة الأزمات” في التغلب عليها؟

​الإجابة هي نعم، ولكن بشرط. إدارة الأزمات ليست مجرد “رد فعل”، بل هي علم وفن يهدف إلى ​الاحتواء بتقليل الأضرار الناجمة ومنع انتشارها، و ​الاستعادة بالعودة إلى حالة التوازن بأسرع وقت، وبالتعلم وذلك بتحويل التهديد إلى فرصة للتطوير (النمو بعد الأزمة).

​تنجح العملية عندما تعتمد على التنبؤ الاستباقي ووجود خطط طوارئ مرنة، وتفشل عندما تتحول إلى مجرد “إطفاء حرائق” لحظي.

فلماذا تخفق جهود إدارة الأزمات؟ ان ​بقاء المشكلات من دون حل ليس دائما بسبب نقص الموارد، بل غالبا بسبب عوامل هيكلية وفنية، منها، غياب الرؤية الاستباقية (الإنكار)، ​كثير من الدول تتبنى سياسة النعامة؛ حيث يتم تجاهل إشارات الإنذار المبكر للأزمة حتى تقع فعليا، مما يجعل التحرك متأخرا وضعيفا.

يجري عادة معالجة الأعراض لا الأسباب، و ​هذا هو السبب الأكثر شيوعا. يتم التركيز على تخفيف الألم الظاهري للأزمة (مثل ضخ سيولة مؤقتة لحل تضخم هيكلي) من دون علاج الجذر الحقيقي للمشكلة، مما يجعلها تعود بشكل أعنف لاحقا.

كما تتسبب البيروقراطية وتعدد مراكز القرار ​في الأزمات، في حين ان “الوقت” هو العملة الأغلى، كما يظهر احيانا تسلسل قيادي معقد وتضارب في الصلاحيات بين مؤسسات الدولة يؤدي إلى شلل في اتخاذ القرار المناسب في اللحظة الحرجة.

وتنبثق أحيانا فجوة الثقة بين “صانع القرار” و”الجمهور”

فإدارة الأزمة تتطلب تعاون الشعب. إذا فقدت الشعوب الثقة في شفافية ومصداقية الدولة، فإنها لن تلتزم بالتعليمات، مما يحول الأزمة من مشكلة تقنية إلى أزمة شرعية.

وينبثق هنا سوء تقدير حجم الأزمة، ​أحيانا يتم استخدام أدوات تقليدية لحل أزمات غير تقليدية (ديناميكية)، مما يؤدي إلى استنزاف الموارد مندون تحقيق نتائج ملموسة، وهنا يبرز الفرق بين الإدارة الناجحة والفاشلة.

في الإدارة الناجحة الأسلوب استباقي (Pre-active) برد فعل (Reactive)، وذلك بالتركيز على حل الجذور والتعلم وإخفاء المعالم وتسكين الألم، والتواصل بشفافية، وفي الإدارة الفاشلة يتواجدتدفق معلومات وتعتيم إعلامي وتضليل، النتيجة نمو وتطوير المؤسسات في الإدارة الناجحة وتكرار الأزمة واستدامتها في الإدارة الفاشلة.الأزمة التي لا تقتلك، تجعل نظامك أكثر مناعة.. بشرط أن تملك الجرأة لتشخيص أسبابها بصدق.

قد نكون بحاجة الى تحليل لنموذجين يمثلان قمة التباين في إدارة الأزمات، النموذج التاريخي: أزمة صواريخ كوبا (1962)، ​تعد هذه الأزمة أخطر 13 يوما في تاريخ البشرية، حيث كان العالم على شفى حفرة من حرب نووية شاملة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

​جوهر الأزمة تمثل في تهديد أميركي لكوبا واكتشاف صواريخ نووية سوفيتية، على بعد أميال قليلة من السواحل الأمريكية.

​لماذا نجحت الإدارة؟ جرى ​ضبط النفس والتفكيرفي البدائل: لم يندفع الرئيس الاميركي كينيدي للخيار العسكري الفوري، بل أنشأ “مجلس أزمات” لبحث الخيارات كافة (حصار بحري، ضربة جوية، دبلوماسية)، وجرى فتح قنوات سرية ومباشرة مع الزعيم السوفيتي خروتشوف لتجنب أي سوء فهم ناتج عن الرسائل الرسمية البطيئة.

وانتهت الأزمة باتفاق يقضي بسحب الصواريخ من كوبا مقابل تعهد أمريكي بعدم غزوها وسحب صواريخ أمريكية من تركيا (سرا)، مما سمح للطرفين بالخروج بمظهر “المنتصر”.

النموذج المعاصر، أزمة جائحة كوفيد-19 (2020)، ​هذه الأزمة تمثل “الأزمات العابرة للحدود” التي اختبرت مرونة الأنظمة الصحية والسياسية في العصر الحديث.

​جوهر الأزمة، فيروس مجهول يهدد الحياة البشرية ويشل الاقتصاد العالمي تماما. ​لماذا أخفقت جهود الإدارة في كثير من الدول؟ في دول عدة، تم التعامل مع الجائحة كمعركة سياسية بدلا من أزمة صحية، مما أدى إلى تضارب المعلومات (مثل التشكيك في اللقاحات أو الكمامات)؛ والسبب الآخر هو البيروقراطية الصحية، اذ فشلت بعض الأنظمة العريقة في توفير الأدوات الأساسية (كمامات، أجهزة تنفس) بسرعة بسبب سلاسل التوريد المعقدة وبطء اتخاذ القرار المركزي.

الدول التي فشلت هي التي عانت من “فجوة ثقة” بين المواطن والحكومة؛ حيث لم يلتزم الناس بالإجراءات نتيجة لضعف الشفافية في عرض الأرقام والبيانات.

فلماذا ينجح البعض ويفشل الآخر؟

تأسيسا على النموذجين، يمكننا استخلاص الأسباب العميقة للبقاء أو الانهيار عبر معيار النجاح أزمة صواريخ كوبا و (إخفاق نسبي في بعض الدول)، بمواجهة أزمة كوفيد-19.

سرعة الاستجابة في الانموذج الناجح تمثل فياستجابة مركزية وسريعة جدا، اما انموذج الفشل فتمثل في استجابة متذبذبة ومتأخرة (إنكار البدايات).

النجاح تمثل في وحدة القيادة بوساطة فريق مصغر بقرارات موحدة، وفي حالة الفشل تضارب بين الجهات الصحية، السياسية، والاقتصادية،في حالة النجاح جرى التواصل الدبلوماسي عالي الدقة. في النموذج الفاشل جرى ضخ فيض من المعلومات المضللة وانعدام المرونة والتغييرفي الاستراتيجية من الهجوم إلى الحصار، و التمسك ببروتوكولات قديمة لا تناسب سرعة تحور الفيروس.

​تخفق الدول في حل مشكلاتها عندما تتعامل مع الأزمة كحدث عابر ينتهي بانتهاء مظاهره، فيماتنجح عندما تدرك أن الأزمة هي خلل بنيوي يستوجب تغيير القواعد التي أدت إليه.

الأزمات الاقتصادية: الامتحان الأعظم

الأزمات الاقتصادية هي الاختبار الأكبر لقدرة الدول على الصمود، لأنها لا تمس فقط الأرقام، بل تمس لقمة عيش المواطن واستقرار المجتمع.

​لنحلل الأزمة المالية العالمية 2008، وهي النموذج الأكثر وضوحا لكيفية تحول “مشكلة عقارية” إلى “انهيار عالمي”، وكيف تباينت نتائج إدارتها.

​بدأت الأزمة في الولايات المتحدة بسبب “الرهون العقارية عالية المخاطر” (Subprime Mortgages)، حيث تم منح قروض لأشخاص غير قادرين على السداد، ثم تحولت هذه الديون إلى أدوات مالية معقدة بيعت للبنوك حول العالم.

لماذا تعقدت الأزمة وفشلت الإدارة الأولية؟

​الجشع وضعف الرقابة، اذ ان المؤسسات المالية كانت تعمل في ظل “ثغرات قانونية” سمحت بمخاطرات غير محسوبة، ولم يدرك صانعو القرار أن انهيار بنك واحد مثل (Lehman Brothers) سيؤدي لسقوط النظام المالي العالمي بالكامل، فضلا عن ​عنصر المفاجأة، فقد كان هناك إنكار كبير من الخبراء الاقتصاديين لحجم “الفقاعة” قبل انفجارها.

اما آليات التدخل فتمثلت في “خطة الإنقاذ” مقابل “التقشف”، ​هنا نرى كيف تختلف نتائج “إدارة الأزمة” بناء على الفلسفة المتبعة.

​النموذج الأمريكي (التدخل الجريء)، قامت الحكومة بضخ مئات المليارات لإنقاذ البنوك الكبرى (تحت شعار: “أكبر من أن تفشل”). برغم الانتقادات الأخلاقية لهذا التصرف، إلا أنه منع الانهيار الكامل للنظام الرأسمالي.

​النموذج الأوروبي (أزمة اليونان): تم اتباع سياسة “التقشف الصارم” (Austerity). أدى ذلك إلى إطالة أمد الأزمة لسنوات، وتسبب في اضطرابات اجتماعية حادة لأن العبء وقع مباشرة على الطبقات الوسطى والفقيرة.

برغم مرور سنوات طويلة، ما نزال نلمس تداعيات أزمة 2008، وهذا يعود لعدم معالجة الجذر (الديون): تم حل الأزمة بـ “ديون جديدة”، أي أن العالم قام بترحيل المشكلة للمستقبل بدلا من تصفيتها نهائيا.

وأدى الامر الى اتساع الفجوة الطبقية، إدارة الأزمة أنقذت “المؤسسات” (البنوك) ولكنها لم تنقذ “الأفراد” الذين فقدوا منازلهم، مما خلق حالة من الاحتقان السياسي أدت لاحقا لظهور الحركات الشعبوية.

​الأخلاق النفعية (Moral Hazard): عندما تنقذ الدولة البنوك الفاشلة، فإنها ترسل رسالة غير مباشرة بأن “المخاطرة مسموحة لأن الحكومة ستحميكم”، وهذا يؤسس لأزمة مقبلة.

​النجاح في الأزمات المالية لا يُقاس فقط بعودة أرقام البورصة للون الأخضر، بل بـ​إعادة الهيكلة: تغيير القوانين المنظمة، وبالشفافية: مصارحة الشعوب بحجم الخسائر والمدد الزمنية المتوقعة للتعافي، وبالعدالة في توزيع الأعباء: لضمان عدم حدوث انفجار اجتماعي موازٍ للأزمة الاقتصادية.

نحن نعيش الآن في عصر “الاستباق الرقمي”، حيث لم يعد كافيا أن ننتظر وقوع الأزمة لنقوم بإدارتها، بل أصبح الهدف هو تفكيك الأزمة قبل ولادتها.

وأدوات استشراف المستقبل والذكاء الاصطناعي، تتضمن رادارات الإنذار المبكر اذ تستخدم الدول والمنظمات الدولية الآن نماذج ذكاء اصطناعي،تقوم بمسح مليارات البيانات لحظيا لتوقع الاضطرابات، ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الأخبار العالمية لرصد بوادر “أزمة اجتماعية” أو احتجاجات وشيكة من خلال قياس نبرة الغضب أو الإحباط في لغة الناس.

كما تتواجد نماذج تتنبأ باحتمالية اندلاع نزاعات مسلحة بناء على مؤشرات اقتصادية، تاريخية، وبيئية، بدقة تصل أحيانا إلى مستويات مذهلة، و هذا هو المفهوم الأكثر إثارة حاليا؛ حيث تقوم بعض الحكومات (مثل سنغافورة والإمارات) بإنشاء نسخة رقمية بالكامل للدولة.

​الذكاء الاصطناعي يحلل النتائج ويقترح المسار الأفضل لتقليل الخسائر قبل أن تُطبق الخطة على أرض الواقع.

الأزمة المائية في العراق

بما أننا نتحدث عن واقع ملموس في العراق، فإن أزمة المياه لم تعد “احتمالا” بل هي واقع بنيوي يتكرر سنويا. استخدام أدوات استشرافالمستقبل هنا ليس ترفا، بل ضرورة قصوى.

بدلا من انتظار انخفاض مناسيب “دجلة والفرات” في تموز، تبدأ العملية في الشتاء عبر ​تحليل الأقمار الصناعية، بمراقبة حجم الثلوج في جبال توروس وزاغروس (منابع الأنهار) للتنبؤ بكمية التدفقات الربيعية بدقة 90 في المئة، والدبلوماسية الرقمية باستغلال بيانات الاستشعار عن بعد لمراقبة مخزونات السدود فيدول الجوار (تركيا وإيران) لتقدير الحصص المائية القادمة قبل وصولها بأسابيع.

​إذا أظهرت التنبؤات عجزا مائيا بنسبة 30% في الصيف المقبل، تُفعل السيناريوهات التالية:التحول القسري (بدعم حكومي) من الري بالسيح إلى الري بالرش والتنقيط لتقليل الهدر الزراعي الذي يستهلك قرابة 80% من المياه، لتوفيرها لمياه الشرب، الاستثمار في محطات تحلية المياه المالحة (Brackish Water) في مناطق الجنوب، ومعالجة مياه الصرف الصحي لاستخدامها في التشجير.

ويتوجب إدارة الأزمة اجتماعيا (الثقة والشفافية)، بالتوعية الرقمية: إرسال تنبيهات لهواتف المواطنين توضح ساعات الذروة والحاجة لترشيد الاستهلاك، مع توضيح حجمالمخزون المائي الحقيقي (لمنع الشائعات)، و ​العدالة في التوزيع باستخدام “إنترنت الأشياء” في شبكات التوزيع لمراقبة أي تجاوزات على الحصص المائية وضمان وصول مياه الشرب للمناطق البعيدة (أطراف المدن).

لماذا قد تخفق الجهود في العراق؟ برغم توفر الحلول التقنية والاموال، إلا أن بقاء الأزمة من دون حل جذري يعود لـ: المشكلات العابرة للحدود، الاعتماد الكبير على دول المنبع من دون اتفاقيات قانونية دولية ملزمة (وهنا تفشل الإدارة الداخلية إذا لم تسندها دبلوماسية قوية).

وكذلك فان الإخفاق بسبب التجاوزات على الأنهر: ضعف إنفاذ القانون تجاه المزارع والمشاريع غير القانونية التي تستهلك حصص مياه الشرب، و ​تهالك البنية التحتية ما يتسبب في ضياع كميات ضخمة من المياه نتيجة التسرب في الشبكات القديمة قبل وصولها للمنازل.

اما خطة “النمو من الأزمة” (ما بعد الصيف)، فان ​الإدارة الناجحة لا تنتهي برحيل الصيف، بل تبدأ بـ​خزن مياه الأمطار وبناء سدود صغيرة (سدود حصاد المياه) في الوديان لتعويض النقص و ​تغيير النمط الزراعي بزراعة محاصيل لا تستهلك مياها كثيرة وتتحمل الملوحة.

ومن الحلول، معالجة انخفاض المنسوب الناتجة عن حفر آبار عشوائية (تستنزف الجوفية) وتقنين الحصص بناء على تنبؤات الأقمار الصناعية، ومعالجة تلوث المياه معالجة كيميائية بنصب حساسات لحظية في النهر تغلق المحطات قبل وصول التلوث.

ان الغضب الشعبي ناجم عن وعود إعلامية غير دقيقة يجب نصب منصة شفافة تظهر مناسيب المياه للمواطنين لحظيا، ولكن السبب الرئيس يبقى في سوء إدارة الأزمة أي ان العائق ليس ماليا بل هو إداري وهيكلي ينقلنا من الحديث عن “شح المياه” كظاهرة طبيعية إلى الحديث عن “شح الإدارة” كظاهرة سياسية ومؤسساتية.

​عندما تتوفر الأموال وتغيب النتائج، نكون أمام ما يسمى في علم الإدارة بـ “الفشل المؤسسي المركب“، وكيف تحول دون حل أزمة المياه في العراق فضلا عن أسباب رئيسة للإخفاق،البيروقراطية وتعدد مراكز القرار (تشتت المسؤولية).

ان ملف المياه مشترك بين وزارات (الموارد المائية، الزراعة، الإعمار والبلديات، والبيئة)، و ​المشكلةتكمن في غياب “غرفة عمليات موحدة” بصلاحيات واسعة، يجعل ذلك القرار يضيع بين المخاطبات الورقية واللجان التي لا تنتهي؛ و عندما تحدث أزمة جفاف في الصيف، تكون الاستجابة بطيئة لأن كل جهة تلقي باللوم على الأخرى فتبقى الازمة.

قد يعجبك ايضا