هل نحن ناقلون للإشاعة أم ضحاياها؟

 

 

جاسم العقيلي

الإشاعة ليست مجرد كلام ينتقل بيننا، بل هي أحياناً أداة محكمة الصنع تُطلَق في الوقت المناسب لتحقيق أهداف محددة. نجِدُ مَن يستقبلها ويروج لها دون أن يدري أنه أصبح وقوداً لها وجندياً مجهولاً في معركةٍ لا يعرف عنها شيئاً

نحن المواطنون، في خضمِّ هذا السيل الجارف من المعلومات، نصبح فريسة سهلة حينما تلامس الإشاعةُ مخاوفَنا الذاتية، أو تعزِّز تحيزاتنا المسبقة، أو تجيب على تساؤلاتنا في ظلِّ غياب المعلومة الرسمية الواضحة. فنتحول من إنسان عاقل إلى ناقل نشط للكلمة التي قد تُشعل ناراً أو تهدم ثقةً أو تشوِّه صورةً، ونظنُّ في قرارة أنفسنا أننا نشارك في “تنبيه” أو “فضح” أو “نصيحة ” .

كما قال الصحفي محمد حسنين هيكل: “أخطر أنواع الحروب.. حرب التلاعب بالعقول والأفكار”. فالإشاعة الناجحة هي التي تشنُّ هذه الحرب من الداخل، فتستبدل الحقائقَ بالأوهام، والثقةَ بالريبة، والوحدةَ بالفرقة. ويؤكد الكاتب عمرو عبدالحميد على هذه الآلية فيقول: “بعض الأكاذيب تُروَّج ليس لأن الناس تصدقها، بل لأنها تخدم مصالحَ مَن يروجونها ” .

انظُر كيف تُصنع الفتنةُ من كلمةٍ مجهولة المصدر، وكيف تُهَزُّ صورةُ مؤسسةٍ من خلال خبرٍ غير مؤكد، وكيف يتصدع تماسكُنا بسبب قصةٍ مُلفَّقة. الضحيةُ الأولى التي تقع فريسةً هي العقلُ الجمعيُّ، والمنتفعُ الوحيد هو مَن زرع هذه البذرة في تربة الجهل أو الخوف .

 

نحن المواطنون لسنا مجرد ضحايا سلبيين، بل نحن في قلب المعركة. حصانتنا تبدأ بالتشكك الذكي، والسؤال الدائم: مَن المستفيد؟ والتوقُّف قبل إعادة الإرسال. فكما حذَّر الكاتب فهد الأحمدي: “لا تكن بوقاً للإشاعات.. فربما تكون أداةً لتدمير ما تحب ” .

في زمن الصخب المعلوماتي، أعلى درجات الوعي هي أن نعلَم أن بعضَ الكلام لا يهدف إلى إخبارنا، بل إلى استخدامنا. وأن نكونَ بشراً أحراراً يعني أن نتحرر من أن نكونَ أدواتٍ في أيدي مَن يجيدون لعبةَ الظلال والهمسات .

قد يعجبك ايضا