سالم بخشي
ولد عالم الآثار العراقي “فؤاد سليمان سفر” في مدينة الموصل عام 1913، وفيها أكمل دراسته الثانوية، أرسل ببعثة دراسية الى جانب عالم الآثار الراحل “طه باقر” الى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة علم الآثار والحضارة في المعهد الشرقي التابع لجامعة شيكاغو”، حيث حصل منه على درجتي البكالوريوس والماجستير عام 1938، ليعمل بعد أنهاء دراسته مباشرة في مديرية الآثار العامة في بغداد، إضافة الى التدريس الجامعي في دار المعلمين العالية. عمل على مدى أربعة عقود في مجال التنقيب والتحري والمسح الآثاري، وشكلّ مع زميله عالم الآثار الراحل “محمد علي مصطفى” ثنائياً علمياً رائعاً عمل في معظم مناطق العراق، كان أهمها الأعمال الآثارية التي أجرياها في مدينتي “أريدو” السومرية و”الحضر” الآرامية. له العديد من الكتب والتراجم، كما نشر عدد كبير من البحوث الآثارية في المجلات الأكاديمية العالمية عن نتائج أعماله في العراق. حصل على العديد من شهادات التقدير التي منحتها إياه المؤسسات والمؤتمرات الآثارية العالمية، كما تولى العديد من المناصب الادارية والفنية في المؤسسة الآثارية العراقية، كان آخرها منصب مفتش التنقيبات العام، توقفت حياته ومسيرة عطائه الكبيرة بحادث مأساوي مدبر من قبل سلطة البعث الجائرة لعدم امتثاله لطلباتهم في تزوير السردية التاريخية وفق الأدبيات البعثية المقيتة!!
اسهاماته الآثارية
أسهم مع زملائه الآخرين في تأسيس قسم الآثار في كلية الآداب في جامعة بغداد خلال السنة الدراسية 1951- 1952. وفي سنة 1956 أسندت إليه مفتشية التنقيبات الآثارية. وفي سنة 1958 عين مديراً عاماً للآثار، أشرف على رسائل جامعية في ميدان الآثار، وكان عضواً في لجان وطنية ودولية أثارية عديدة. كما أسهم في تحرير مجلة سومر الأثارية. عرف بين زملائه: طه باقر، وبشير فرنسيس، ومحمد علي مصطفى، وغيرهم بسعة الأطلاع. والثقافة الواسعة والحرص الشديد على آثار بلاده والرغبة الكبيرة في الكشف عن مكونات حضارة العراق وكنوزه. وتميزت التقارير التي كان يضعها عن نتائج التنقيبات التي يسهم فيها بالدقة والموضوعية، وقد نجح في الإشراف على أعمال التنقيب والصيانة التي قامت بها دائرة الأثار طيلة السنوات الأربعين من حياته العملية، وذلك لسعة معرفة ببعض اللغات الأجنبية كالإنجليزية واللغات القديمة كاللغة الأكدية واللغة الآرامية. من أبرز جهوده هو تنفيذ سياسية عراقية مستقلة في ميدان التنقيب، بدأت بظهور الدولة العراقية الحديثة عام 1921. وتقوم هذه السياسة على فلسفة وطنية تأخذ بنظر الاعتبار أن يكون للعراقيين الأسبقية في التنقيب. ومن المدن التي أسهم فؤاد سفر في الكشف عن بقاياها الشاخصة، واسط وحسونة والعقير وأريدووالحضر. وقد وضع عن هذه الأعمال التنقيبية دراسات عديدة. وكان له الفضل في الكشف عن مشاريع الري القديمة في العراق، ولا سيما أعمال الري الآشورية ومنها منظومة سنحاريب الأروائية. ونشر دراسات عن التحريات الآثارية في مناطق مشاريع الري الكبرى في العراق وأعمال الأرواء التي قام بها سنحاريب في نينوى وأربيل. وعندما أدركت مديرية الآثار العامة أهمية مدينة الحضر من الناحية التاريخية والأثرية، قررت القيام بأعمال تنقيب واسعة فيها، بدون ترك المجال للبعثات الأجنبية. ولم تجد غير فؤاد سفر من يتولى هذه المسؤولية، فكان رئيس البعثة التنقيبية الأولى التي اضطلعت بأعمال الحفر منذ بدء شهر آيارسنة 1952 وكان لهذه البعثة إنجازات هائلة، ضمن مواسمها التسعة التي استمرت حتى سنة 1971 حين نشر فؤاد سفر أحدث دراساته في مجلة سومر بعنوان كتابات الحضر، وتتكون هذه الكتابا من 12 نصاً جديداً، منها النص 291 وهو عبارة عن دعاء على كل من يسرق أداة من أدوات البناء المستخدمة في تشييد المعبد الكبير.
بعد حادث القتل المدبر، تم كسر باب غرفته في دائرة الآثار، ومصادرة محتوياته وأسراره واكتشافاته الآثارية التي لم ترق إلى السلطة القومية المقيتة، تم تشيع جنازته وحضر فيها المجرم طارق عزيز بطريقة يقتل القتيل ويمشي في جنازته!
هناك مقالة منشورة في موقع الحوار المتمدن فيه تفاصيل مثيرة تؤكد بطريقة لا تقبل الشك فرضية مقتله من قبل البعثيين العبثيين. المقال بعنوان: (هل قتل فؤاد سفر؟!) لكاتبه: حامد خيري الحيدر.
