يوسف عبد المسيح ثروت.. إثراء النقد المسرحي العراقي والعالمي

صباح هرمز الشاني

في الوقت الذي كان فيه المثقفون العراقيون من شعراء وقصاصين ومسرحيين للجيل الستيني، واقعين تحت تأثيرات الادب والفن الوافدين من الغرب، لقراءتهم لهما، تحت تسمية مصطلحات مختلفة، منها الطليعي او العبثي او اللامعقول، متمثلا بمسرحيات بيكيت ويونسكو واداموف، والوجودية بروايات ومسرحيات سارتر، واللامنتمي بروايات كولن ولسن، وتيار الوعي بروايات جيمس جويس ووليم فوكنر وفرجينا وولف. كان يوسف عبد المسيح ثروت يتناول أعمال هؤلاء العمالقة في دراسات عميقة ومستفيضة.

ولعل ما ساعده على ان يكون سباقاً في هذا المضمار، ويطرق ابواب النقد في المسرح العراقي لاحقا، ويدخله من اوسع أبوابه، هو إلمامه باللغة الانكليزية، وثقافته الواسعة بالاطلاع على مختلف الاتجاهات الادبية والفنية السائدة في العالم.

فهو أول من أبحر في عوالم كولن ولسن اللامنتمي المعقدة والغامضة، ليس من بين المثقفين العراقيين حسب، وأنما العرب كذلك، فدراسته العميقة والمتكونة من ثلاثين صفحة في هذا الموضوع، بتعويلها على ستة مراجع من ترجماته، ابتداء من المرجع الثالث إلى الثامن، باستثناء المرجعين الاولين، باعتبارهما يعتمدان على روايتين هما الأخوة كارامازوفلدوستفسكي واللامنتمي لكولن ولسن، دليل واضح على صحة ما اذهب اليه أن احداً من المثقفين العراقيين والعرب. لم يسبقه إلى كولن ولسن.

وفي موضوعه القيم هذا يركز على الصوفية ويقرنها بقصائد الشاعر الانكليزي الكبير وليام بليك وبطريقة تفكيره الشرقية، حيث صباحه (طيف براق) وليله (قبو كبير لا يضم غير الموتى) وذهنه سجين (في دائرة ضيقة) وقلبه غارق (في الهوة في كرة حمراء مستديرة، ساخنة، ملتهبة) وحق لهذا السجين المعذب روحاً وجسداً أن يقول بملء فمه. (من الافضل الا يولد الانسان وأن الموت خير من الحياة).

أما في دراسته الموسوعة (الطريق والحدود.. في المذاهب الأدبية والفنية التي يتطرق فيها إلى أربع مدارس، وهي الوجودية والسريالية، والواقعية الاشتراكية، والواقعية النقدية، فيعتمد على ستة واربعين مصدراً. وكل هذه المصادر لكتاب أجانب، وبشكل خاص لجورج لوكاش المعروف بكتاباته الماركسية، بالاضافة إلى مجموعة نقاد سوفيت.

ولم يكتف يوسف عبد المسيح ثروت بتعريف المثقف العراقي بمسرح اللامعقول فحسب، وانما أرفده باتجاهين يقفان بالضد من هذا الاتجاه تماماً، وهما المسرح الملحمي المعروف اقترانه باسم بريشت، والمسرح الواقعي الاشتراكي، في الاتحاد السوفيتي، وذلك في دراسته الموسومة (نماذج من المسرح العالمي) المتكونة من ثمان وثلاثين صفحة وثمانية وعشرين مصدراً أجنبياً.

أما نظرية التغريب التي جاء بها بريشت في مسرحه الملحمي الداعية الى حفز ذهن المتلقي، بعكس نظرية ارسطو التطهيرية والتي تبعث على الملل والاسترخاء، فيعتقد يوسف عبد المسيح ثروت، انها ليست جديدة في أصولها ومصادرها، وتعود إلى استنباطات روسو وهيغل وماركس، وبخاصة الاخير، الذي أوضحها في العديد من كتبه ومؤداها: (ان الانسان ينسلخ في المجتمع الرأسمالي من انسانيته بانسلاخه من شخصيتة. فالعامل المفروض فيه أن يملك أداة عمله، ينتزع منه رب العمل الرأسمالي ملكيته هذه، وانتزاع الملكية هذه نوع من انواع التغريب، الذي يمثل في الانفصال بين المالك والمملوك، بين الذات والموضوع.

وكتب في المسرح العراقي ثلاث دراسات هي:

1- بعض القيم الفكرية في المسرح العراقي الراهن.

2- نموذج الشخصية المحورية في مسرحنا الراهن.

3- صورة المسرح العراقي – محاولة مسح عام.

وفي دراسته عن المسرح العراقي يتطرق إلى المحاور الاتية:

1- واقعه المشخص
2- كتابه ومشكلات النص
3- عطاءاته المسرحية
4- جمهوره المسرحي

وأهم وأبرز دراسته، وأكثرها تشويقاً وفائدة، هي: (الشعر والمسرح – محاولة تعريف وتجذير).

تقع هذه الدراسة في حدود اربعين صفحة وتعتمد على خمسة وخمسين مصدراً أجنبياً، باستثناء مصدرين فقط، لكونهما نصين مسرحيين، أولهما (مأساة الحلاج) لصلاح عبد الصبور، وثانيهما (الطواسين) لحسين بن منصور الحلاج.

ويعرج فيها إلى الدراما أو الكوميديا ويقوم بأجراء وجه المقارنة بينهما، ثم ينتقل إلى المأساة والملهاة وينحو ذات المحنى. ثم ينتقل إلى مسرحيات لوركا ويقارن بين مسرحياته الشعرية ومسرحياته النثرية، والتأثير الرمزي الواضح في شعره، أي أن الشعر الدرامي لدى لوركا جزءاً لا يتجزأ من المسرح نفسه، فهو لم يكن مضافاً اليه من الخارج شيئاً غريباً عنه، انما كان مسرحه نفسه شعراً. ولا ينسى بريشت في الاداة الشعرية الموظفة لفنه المسرحي، من اجل الاهداف الجمالية فحسب، بل من أجل التعبير الدقيق والصائب والمكثف عن مشكلات القرن العشرين الاساسية.

وفي معرض حديثه عن توظيف الشعر في المسرح العربي، يتخذ من صلاح عبد الصبور أنموذجاً لهذا التوجه، ويرى أن اسلوبه يتسم بالبساطة، كما أن في فتره التماعات ورؤى انسانية تصارع الزيف بكشفه وتبديده، انه يندمج لأبطاله اندماجاً تاماً، وقد استطاع شعره بما يعتوره من حسن الحبكة وسلامة التناول وشفافية المعنى ووضوح الرؤيا أن ينقل الينا صفحة مشرقة من تاريخ الفكر الحر، متمثلاً برجولة الحجاج وروحه الجهادية الالقة.

قد يعجبك ايضا