محمد سعيد الطريحي رحّالة المعرفة وحارس الذاكرة الإنسانية

محمد علي محيي الدين

حين يُستعاد اسم محمد سعيد الطريحي في سياق التأريخ للثقافة العربية المعاصرة، فإننا لا نستدعي مجرد كاتب غزير الإنتاج أو باحثٍ واسع الاطلاع، بل نستحضر تجربة فريدة يمكن عدّها مشروعًا حضاريًا متكاملًا، تشكّل عبر عقود طويلة من العمل الدؤوب، والصبر النادر، والإيمان العميق بدور المعرفة في إنقاذ الذاكرة الإنسانية من التآكل والنسيان. إن الطريحي واحد من أولئك القلائل الذين لم يتعاملوا مع الثقافة بوصفها مهنة أو موقعًا اجتماعيًا، بل بوصفها قدرًا شخصيًا ومسؤولية أخلاقية، تستوجب التضحية بالوقت والراحة، وربما بالاستقرار، في سبيل حفظ ما يمكن حفظه من تراث الأمم والشعوب.
وُلد محمد سعيد الطريحي في مدينة الكوفة عام 1954، والكوفة مدينة لا تمنح أبناءها حيادًا سهلًا، فهي مثقلة بتاريخها، مشحونة بأسئلتها، ومشبعة بالجدل الديني والفكري والأدبي. في هذه البيئة تشكّل وعيه الأول، فانجذب مبكرًا إلى الكتب، والمخطوطات، والحكايات التي تتناقلها الذاكرة الشعبية، وإلى ذلك الإحساس الخفي بأن كثيرًا مما كُتب أو قيل مهدد بالضياع إن لم تمتد إليه يد تحفظه. ومن هنا يمكن فهم ميله المبكر إلى الجمع والتوثيق، قبل أن يتبلور هذا الميل لاحقًا في صورة مشاريع موسوعية كبرى.
لم يختر الطريحي طريق التخصص الضيق، على الرغم من قدرته عليه، بل آثر أن يكون باحثًا موسوعيًا، وهو خيار شديد القسوة في زمن يميل إلى التجزئة والاختزال. فالموسوعي مطالب بأن يمتلك أفقًا واسعًا، وقدرة على الربط، وصبرًا طويلًا على التحقق والتدقيق، فضلًا عن ذاكرة حية، وحسّ نقدي يقظ. وقد تجلّت هذه الصفات بوضوح في مشروعه الأبرز: موسوعة الموسم العلمية المصورة، التي بدأ إصدارها عام 1988، واستمر في رفدها دون انقطاع، حتى تجاوز عدد مجلداتها اليوم (280) مجلدًا، متخطية حاجز المئة واربعون ألف صفحة.
ليست موسوعة الموسم مجرد تجميع لمواد متفرقة، ولا إعادة تدوير لما هو متاح في المراجع، بل هي بناء معرفي متكامل، يقوم على رؤية ترى في الحضارات الإنسانية نسيجًا مترابطًا، لا جزرًا معزولة. لقد اشتغل الطريحي في هذه الموسوعة على التاريخ والدين والآثار والاجتماع والفنون، جامعًا بين النص والصورة، بين الوثيقة والتحليل، وبين السرد العلمي والبعد الجمالي. وقد لفت هذا المنهج أنظار كثير من الباحثين الذين كتبوا في مقدمات مجلداتها عن فرادتها، مؤكدين أنها تمثل ذاكرة بصرية ونصية نادرة للحضارات الإنسانية، وأنها تخرج عن النمط المدرسي الجامد للموسوعات التقليدية.

Screenshot

ويحسب للطريحي أنه لم يجعل من الموسم منبرًا أيديولوجيًا، ولم يحمّلها أحكامًا مسبقة، بل تعامل مع الأديان والثقافات بوصفها ظواهر إنسانية خاضعة للتاريخ والسياق، وهو ما منح عمله مصداقية علمية، وجعله مقبولًا لدى طيف واسع من القراء والباحثين، على اختلاف مشاربهم الفكرية. وقد رأى بعض المقرّظين أن استمرار صدور هذه الموسوعة لعقود طويلة، بجهد فردي شبه خالص، هو بحد ذاته ظاهرة تستحق الدراسة، قبل النظر في محتواها.
ومن المحطات المفصلية في مسيرته العلمية تأسيسه دائرة المعارف الهندية في مومباي عام 1985، وهو مشروع ريادي سبق زمنه، إذ التفت الطريحي إلى الفراغ الكبير في المكتبة العربية فيما يتصل بالهند، تاريخًا وفكرًا ودينًا وحضارة. فأطلق هذا المشروع، وأصدر باسمه عشرات الكتب والدراسات التي قدّمت الهند للقارئ العربي بوصفها حضارة إنسانية عميقة الجذور، ذات تأثير متبادل مع العالمين العربي والإسلامي. وقد أثنى عدد من الأكاديميين في مقدمات هذه الإصدارات على جديته المنهجية، واعتماده على مصادر أصلية، وحرصه على تجاوز الصور النمطية الشائعة.
إلى جانب عمله الموسوعي، أنجز الطريحي أكثر من مئتي كتاب ودراسة في مجالات متعددة، طُبع كثير منها أكثر من مرة، وبعضها جاء في مجلدات ضخمة. ولا تتجلى قيمة هذا الإنتاج في كثرته وحدها، بل في تنوّعه وسعته، إذ شمل التاريخ، والأدب، والدراسات الدينية، وتحقيق النصوص التراثية، والسير والتراجم. وقد عُرف في مجال التحقيق التراثي بدقته الشديدة، وحرصه على مقابلة النسخ الخطية، وتوثيق الفروق بينها، وعدم التدخل في النص إلا بقدر ما تقتضيه الضرورة العلمية. وكثيرًا ما أشار مقدّمو كتبه المحققة إلى صبره الطويل، ونزاهته العلمية، وإيمانه بأن التحقيق مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون جهدًا تقنيًا.
وشغل الطريحي مواقع ثقافية وعلمية متعددة، من بينها رئاسته لتحرير مجلة الموسم الفصلية المصورة الصادرة في هولندا، وعمادته لمعهد ابن رشد لدراسات الأديان في جامعة روتردام الإسلامية، وأمانته العامة لدائرة المعارف الهندية، وعضويته في اتحاد الكتاب العرب، فضلًا عن رئاسته لتحرير موسوعة الديوان ونشرة الراية العلوية. غير أن هذه المناصب لم تكن هدفًا بحد ذاتها، بل جاءت في سياق مشروعه المعرفي العام، ولم تصرفه يومًا عن عمله الأساسي: البحث، والتنقيب، والكتابة.
ويبرز اشتغاله على تراث الكاتب والصحفي العراقي الكبير جعفر الخليلي مثالًا ساطعًا على طبيعة عمله الإنقاذي؛ إذ لم يكتف بجمع ما هو مطبوع، بل ذهب إلى أرشيف الأسرة، وحصل على الرسائل والمقالات والأبحاث غير المنشورة، وعمل على إعدادها للنشر، في جهد يعيد بناء صورة مثقف عراقي كبير للأجيال الجديدة. وقد رأى بعض المهتمين بتاريخ الصحافة والأدب العراقي أن هذا المشروع يمثل خدمة ثقافية لا تُقدّر بثمن، لأنه يحفظ تراث شخصية محورية من الضياع أو التشتت.

Screenshot

وفي شهادات معاصريه، وفي مقدمات كتبهم وهوامشها، يتكرر وصف الطريحي بأنه موسوعة متحركة، وباحث لا يعرف الكلل، وذاكرة استثنائية تختزن من المعلومات والنوادر ما لا يتاح لغيره. وهو، إلى جانب ذلك، شاعر وناثر وأديب، يمتلك لغة رصينة مشبعة بالجمال، وقدرة على السرد والاستطراد، وحسًّا حكائيًا يجعل من نصوصه – ومن حديثه الشفهي – تجربة معرفية ممتعة، لا جافة ولا منفصلة عن الإنسان.
إن ما قدّمه محمد سعيد الطريحي للمكتبة العربية لا يمكن اختزاله في عناوين أو أرقام، لأنه في جوهره فعل مقاومة ضد النسيان، ومحاولة دؤوبة لإنقاذ التاريخ الأدبي والعلمي والإنساني من الضياع. لقد أنشأ، بجهده الفردي، مكتبة كاملة داخل المكتبة العربية، ستظل مرجعًا لا غنى عنه للباحثين، ودليلًا على ما يمكن أن ينجزه الفرد حين يتسلّح بالإرادة والمعرفة.
وإذا ما أردنا النظر إلى تجربة الطريحي في سياقها المقارن، فإننا نجده يقف في صف واحد مع كبار الموسوعيين العرب في العصر الحديث، أمثال جرجي زيدان في مشروعه التاريخي، وأحمد أمين في مشروعه الفكري، وحسن الأمين في معاجمه وسيره، ومحمد كرد علي في مجلته ومجمعه وكتبه. غير أن ما يميّز الطريحي عن هؤلاء، أنه أنجز الجزء الأكبر من مشروعه خارج الأطر المؤسسية، وفي زمن تراجعت فيه الرعاية الرسمية للمعرفة الموسوعية، واعتمد على جهده الشخصي، وعلاقاته الثقافية، وشغفه الذي لا يهدأ.
فإذا كان جرجي زيدان قد قدّم تاريخًا سرديًا للأمة، وأحمد أمين قدّم قراءة تحليلية للفكر الإسلامي، ومحمد كرد علي قد اشتغل على التراث في إطار مؤسسي، فإن محمد سعيد الطريحي قد جمع بين هذه المسارات جميعًا، وأضاف إليها البعد البصري التوثيقي، والامتداد العالمي، والاشتغال العابر للثقافات. ولهذا يمكن القول إن مشروعه يمثل حلقة متقدمة في تطور العمل الموسوعي العربي، حلقة تؤكد أن الموسوعية لم تمت، لكنها باتت تحتاج إلى عزائم استثنائية.
وخلاصة القول إن محمد سعيد الطريحي ينتمي إلى ذلك النسل النادر من حراس الذاكرة، الذين لا يُقاس أثرهم بما نُشر لهم فحسب، بل بما أنقذوه من الضياع، وبما أبقوه حيًّا في الوعي الثقافي العربي. وستظل تجربته، مهما تغيّرت الأزمنة، شاهدًا على أن المعرفة حين تُحمل بصدق، تستطيع أن تصنع من الفرد مؤسسة، ومن الجهد الشخصي تاريخًا لا يزول.
ويكتمل النظر إلى تجربة محمد سعيد الطريحي حين تُستحضر الشهادات التي كُتبت عنه، أو صيغت في مقدمات كتبه وموسوعاته، وهي شهادات وإن اختلفت لغاتها ومشارب أصحابها، فإنها تلتقي عند جوهر واحد، هو الإقرار بندرة هذه التجربة وصعوبة تكرارها. ففي أكثر من تقديم لمجلد من مجلدات الموسم، يُشار إلى أن الطريحي ينتمي إلى طراز من الباحثين الذين يعملون بعقل المؤرخ، وصبر الناسك، وخيال الأديب، وهو توصيف يلخّص تركيبته المعرفية المعقّدة. وقد ذهب بعض من عاصروه في العمل الثقافي إلى القول إن الطريحي «لا يكتب ليملأ فراغًا في سوق النشر، بل ليغلق ثغرة في الذاكرة»، وهو قول ينسجم مع طبيعة اختياراته الموضوعية، ومع ميله الدائم إلى الاشتغال على المهمَل والمنسيّ.
والطريحي يمتلك حسًّا أرشيفيًا نادرًا، لا يكتفي فيه بجمع المادة، بل يسعى إلى تثبيتها في سياقها الزمني والثقافي، وربطها بسلسلة تطورها التاريخي. وقد لاحظ بعض الباحثين ممن اطّلعوا على أرشيفه الشخصي أن ما يحتفظ به من وثائق وصور ونصوص غير منشورة يوازي أرشيف مؤسسات ثقافية كاملة، وأن كثيرًا من هذه المواد لو لم تُحفظ لديه لضاعت أو تفرّقت. كما أشار آخرون إلى سمة لافتة في شخصيته العلمية، هي تواضعه المعرفي، إذ نادرًا ما يقدّم نفسه بوصفه صاحب فضل، بل يترك للنص والوثيقة أن يتكلما عنه.
وجاء في أكثر من تقديم لأعماله، وفي شهادات معاصريه، ما يفيد بأن الطريحي ينتمي إلى سلالة العلماء العاملين في إشارة إلى بعده عن الأضواء الإعلامية، وانشغاله شبه الكامل بالعمل البحثي. فإن من يقرأ للطريحي يلمس بسرعة أن خلف كل صفحة سنوات من التنقيب، وأن كل معلومة لديه دفعت ثمنها وقتًا وجهدًا وسفرًا. وذلك يعكس صورة متقاربة لرجل جعل من المعرفة أسلوب حياة، لا نشاطًا موسميًا.
أما موسوعة الموسم، فإنها تستحق أن تُفرد لها قراءة مستقلة بوصفها مشروعًا قائمًا بذاته داخل مشروع الطريحي العام. فالموسوعة، منذ عددها الأول، لم تتأسس على منطق التتابع الزمني البسيط، ولا على التصنيف الأكاديمي الصارم، بل على رؤية ترى في الثقافة الإنسانية نهرًا متعدد الروافد. ولهذا نجد في الموسم مواد عن حضارات الشرق القديم إلى جانب دراسات عن أوروبا الحديثة، وبحوثًا عن الأديان الكبرى تقابلها ملفات عن الطقوس الشعبية، ومقالات عن العمارة والفنون تقف إلى جوار نصوص في التاريخ الاجتماعي.
وقد أشار أكثر من كاتب في مقدمات الموسم إلى أن الجمع بين النص والصورة ليس عنصرًا تزيينيًا، بل جزء من المنهج، لأن الصورة هنا وثيقة موازية للنص، تحمل دلالة تاريخية وجمالية في آن. ومن هنا تحوّلت الموسم، عبر الزمن، إلى ما يشبه الأرشيف المصوَّر للحضارة الإنسانية، وهو أمر نادر في النشر العربي، الذي طالما أهمل البعد البصري أو تعامل معه باستخفاف.
كما تميّزت الموسم بانفتاحها على الجغرافيا العالمية، فلم تنحصر في المجال العربي أو الإسلامي، بل تجاوزته إلى آسيا وأفريقيا وأوروبا والأميركيتين، مقدّمة مواد عن ثقافات بعيدة عن القارئ العربي، لكنها مصاغة بلغة تقرّبها إليه، وتزيل عنها غموضها. وهذا الانفتاح هو ما منح الموسم طابعها الإنساني العابر للحدود، وجعلها أقرب إلى موسوعات الحضارة العالمية منها إلى الدوريات المحلية.
ولعل من أبرز ما يُحسب للطريحي في هذا المشروع إصراره على الاستمرارية، في زمن تتوقف فيه كثير من المشاريع الثقافية بعد أعداد قليلة. فقد واصل إصدار الموسم رغم الصعوبات المالية، وتقلّبات النشر، وتغيّر أماكن الإقامة، وهو ما يدفعني إلى القول إن «استمرار الموسم هو في حد ذاته شهادة على عناد ثقافي نبيل، يندر أن نجده اليوم».
وإذا كانت التجربة الموسوعية العربية قد عرفت أسماء كبيرة في الماضي والحاضر، فإن مقارنة الطريحي بهؤلاء تكشف عن خصوصيته. فهو، بخلاف جرجي زيدان الذي عمل في إطار صحفي نشر رواياته التاريخية، وبخلاف أحمد أمين الذي اشتغل ضمن مشروع فكري تحليلي أكاديمي، وبخلاف محمد كرد علي الذي استفاد من مؤسسات الدولة والمجمع العلمي، أنجز مشروعه الأكبر في سياق فردي شبه كامل، معتمدًا على جهده الشخصي، وعلى شبكة علاقاته الثقافية، وعلى إيمانه بدور الفرد في صنع التاريخ الثقافي.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن محمد سعيد الطريحي يمثل نموذج الموسوعي المعاصر الذي يعمل خارج المؤسسة، لكنه ينجز عمل المؤسسة، ويعوّض بجهده الفردي ما تعجز عنه الهياكل الرسمية. وهذا ما يجعل تجربته جديرة بأن تُدرَس لا بوصفها حالة شخصية فقط، بل بوصفها نموذجًا ثقافيًا يعيد الاعتبار لدور المثقف الفرد في زمن الجماعات والهيئات.
وفي المحصلة الأخيرة، فإن ما قدّمه محمد سعيد الطريحي للمكتبة العربية يتجاوز حدود الإضافة المعرفية إلى حدود الإنقاذ الحضاري. لقد حفظ نصوصًا، ووثّق صورًا، وأعاد إحياء أسماء وتجارب، وفتح نوافذ على ثقافات بعيدة، وترك وراءه أثرًا سيبقى حاضرًا ما بقيت الحاجة إلى من يحرس الذاكرة من الضياع.

قد يعجبك ايضا