أيها الترابي”

قصيدة تقلب الموازين بين الحضور والغياب
للشاعر جبار الكواز

محمد علي محيي الدين
في زمن تتسارع فيه اللغة نحو التبسيط، ويُراد للشعر أن يكون مجرد تعبير عابر عن الشعور، تبرز بين الحين والآخر قصائد تأخذنا إلى الأعماق، لا بوصفها لحظة وجدانية فقط، بل كصراع وجودي وفكري وجمالي. من بين تلك القصائد، تقف قصيدة “أفكر كثيرًا” بوصفها نصًا رمزيًا محمّلًا بالتوتر، يتنقل بين ضفاف الذات والذاكرة، ويعيد مساءلة الوجود في ضوء النسيان، والغياب، والتراب.
القصيدة تفتتح بتأمل وجودي:
“أفكر كثيرًا
حين أرى أوراقي تكتب ما اقترفته من ذكريات”،
حيث الذاكرة ليست مرآة لما مضى، بل فعل إدانة لما حدث، وما لم يحدث. ومنذ السطر الأول، يدخل الشاعر في حوار داخلي مع الذات، لكنه لا يلبث أن يوسّعه إلى مساحة أكبر، يُخاطب فيها الإنسان بوصفه كائنًا هشًّا، ضائعًا بين حضور لم يكتمل، وغياب لم يثبت.
من أبرز سمات هذه القصيدة كثافة رموزها، وانقلاب دلالاتها. فالنهر الذي عادةً ما يُصوّر في الشعر كمجرى للحياة، نجده هنا مستلقيًا على قفاه، يضحك على العابرين. والجسر الخشبي الذي يفترض فيه أن يربط بين طرفين، لا يُنقل عبره سوى الأنين والتآكل:
“وبجسر خشبيّ تئن أضلعه كلما عبره العشاق”.
ليس الجسر وحده من يئن، بل اللغة أيضًا. فالشاعر يتعمّد إدخال المفردات في حال من التوتر الداخلي، حيث يتحوّل “الخاتم” إلى قطعة تُشترى من “صُرّة السواد”، وتوضع “غيمة تحت الجناحين”، لا للظلّ أو المطر، بل لتكون علامة على عبء لا ينقضي.

ولعلّ من أكثر الأبيات إرباكًا وتأملًا قوله:
“ولا أنت
أنت”،
وهي عبارة قصيرة، لكنها تحمل كل ما يمكن أن يُقال عن أزمة الهوية في هذا النص. إنها قصيدة لا تثق بالحضور، وترى في الإنسان كائنًا مشكوكًا في حقيقته، لا يتطابق مع نفسه، ولا مع ظلال أيامه.
في قلب القصيدة، يظهر النداء المتكرر: “أيها الترابي”. وهذا ليس مجرد توصيف عابر، بل نداء وجودي، يستحضر الإنسان في انتمائه الترابي، لا كرمز للضعف فقط، بل كجوهر للحقيقة التي تُراد لها أحيانًا أن تُنسى تحت أقنعة من الألوان والزيف. وما يضاعف هذا المعنى أن الشاعر يرى النسيان نفسه — تلك الأداة التي يُفترض أن تكون بابًا للخلاص — مجرد خدعة جديدة:
“أيها الترابي
وأنت تُصرّ على النسيان
وهو ذكرى من أصداف نخرة
وذهب مغشوش”.
اللغة في القصيدة لا تُستخدم للإقناع أو الزخرفة، بل للتعرية. كل جملة تُبنى لتُهدم، وكل رمز يُستدعى ليُقلب على وجهه. هكذا يفعل الشاعر حين يقول:
“ولا الأمطار تُخفي لمعان لسانك
ولا أنين خطاك
ولا مواجع حروفك”.
الأمطار، التي اعتادت أن تغسل وتُطهر، لا تقوى على ستر الوجع. لأن اللغة أصبحت فضيحة، والماضي تأويلًا فاشلًا، والهوية ظنًّا لا يقين فيه.
هذه القصيدة ليست خطابًا تأمليًا فحسب، بل مسرح داخلي يتقاطع فيه الصوت الذاتي مع الهواجس الكبرى للوجود، في قالب شعري نثري تتخلله لُحمة إيقاعية خفية مصدرها التكرار والتوازن الصوتي في الجمل. وهي بذلك تنتمي إلى الشعر الذي لا يُقرأ مرة واحدة، بل يُعاد تأمله مرارًا، لما فيه من غموض شفيف، وصدق داخلي لا يُشهر نفسه، بل ينساب عبر المفردة والصورة والرمز.
في زمن تتكاثر فيه القصائد المقولبة، تأتي قصيدة “أفكر كثيرًا” لتمنحنا دهشة التأمل، وخوف الفهم، وجمال الانكسار. إنها مرآة لما نحاول تجاهله، ونداء داخلي لمن يجرؤ على أن يسأل: من أنا، وأين كنت، ولماذا لم أكن أنا يوم كنت؟

قد يعجبك ايضا