جزيرتهم للابد

الشاعرة المصرية رشا الخطيب

تَمِيمَةٌ تُتْلَى،قَبَسُ ضَوءٍ عَلَى شريط حَسَّاسٍ، فَيَسْتَيْقِظُ النَّائِمُونَ هَرَباً مِنَ الفِرَاقِ، الظَّلامِ، والاحتِوَاءِ.
يَتَنَاسَونَ مَعَارِكَ طَوَاحِينِ الهَوَاءِ، وَحُلْمَ البَحَّارَةِ، فَالصُّوَرُ جَزِيرَتُهُمُ الأَبَدِيَّةُ وَأَبْجَدِيَّةُ البَعْثِ.
أَحْمِلُ وَحْدِي رِمَالَهَا وَخُلُودَهَا فِي صَدْرِي، فَهُمْ عَابِرُونَ هَزَائِمَ صِغَرِي فِي مَمْلَكَةِ الظَّلامِ إِلَى النُّورِ. وَقُدْرَتِي عَلَى التَّحَمُّلِ تَأْبَى! فَتَتَعَانَقُ فَضَاءَاتُ المِسَاحَةِ بِجَسَدِي وَجَسَدِكَ كَظِلالِ مَجْمُوعَةٍ مِنَ التَّفَاصِيلِ، يُنْشِدُونَ صَلاةَ الحَنِينِ بِخُشُوعِ الأَبْيَضِ وَالأَسْوَدِ وَمُجُونِ الأَلْوَانِ. وَبِتَلامُسِ قَلْبِي تِلْكَ القِطْعَةَ الأَخِيرَةَ لِلُعْبَةِ البَازِلِ، تَكْتَمِلُ كَلِمَةُ السِّرِّ لِلْبَوَّابَةِ، دَافِعِينَ بِيد لأَعْمَقِ بِئْرٍ. تُدَاهِمُنَا جُدْرَا نٌغَيْرُ مَرْئِيَّةٍ وَجُيُوشٌ مِنَ الصَّمْتِ تَعْزِلُنَا عَنِ الشَّيْخُوخَةِ، تَمُدُّ الشِّرَاعَ وَتَسْرِي…
ثَمَّةَ حَدِيثٌ تَحْجُبُهُ الرِّيَاحُ لِمَا بَعْدُ…
يَدُكَ المُمْتَدَّةُ خَارِجاً لِشِفَاهِي،مُتَخَطِّياً الفَرَاغَ وَالتَّقَالِيدَ وَاللَّيْلَ. وَبَيْنَمَا نَتَدَفَّأُ بِالبَرَاوِيزِ، كُنَّا نُثَمِّنُ اللَّحْظَةَ، نُرَاقِبُ مِنْ بَعِيدٍ،نَطُوفُ حَوْلَ العَدَمِ، نَخْلَعُ أَجْسَامَنَا الحَقِيقِيَّةَ، نَتْرُكُ الزَّمَنَ وَقَبْضَةَ المَكَانِ وَعَبَثَ الفُوتُوغْرَافْيَا فِي أَقَاصِي جُغْرَافْيَا العَالَمِ المَفْقُودِ، كَمَا لَوْ أَنَّنَا نُوَدِّعُ أَجْسَادَنَا وَقَلْبٌ مُسْتَوْحِشٌ وَحَافِلَةٌ مِنَ الأَسْرَارِ تَمْضِي بِلا تَوَقُّفٍ.
فَأَتَأَمَّلُ ذَاكَ النَّسِيجَ المُنَمَّقَ لأُقْصُوصَةِ بَشَرَتِي. وَتَجَلِّيَاتٍ كَمَنْ يَحْتَضِرُ؛لَمْ أَكُ أَخْشَى(الفَلاشَاتِ)بِقَدْرِ مَا تَجِيشُ آلافُ العَصَافِيرِ بِجَوَانِحِي دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَخَلْفَ هَذَا الانْطِلاقِ قَنَابِلُ مُسِيلَةٌ لِلدُّمُوعِ. فَلَمْ تَعُدْ كَلِمَةُ “جَاهِزُونَ” صَفَّارَةَ إِنْذَارٍ، بَلْ تَصْرِيحٌ لِلِقَاءٍ كَثِيفِ الأَشْجَارِ، وَكَلِمَةُ “ابْتَسِمُوا” طُقُوسُ سِحْرٍ وَلَعْنَةٌ لا تَسْقُطُ بِالتَّقَادُمِ، لا يُمْكِنُ اسْتِحْضَارُهَا مِنْ كَافَّةِ البُلْدَانِ، فَنُشَكِّلُ مَعاً نُقَطاً يَجْمَعُ رَذَاذَ مَطَرٍ، يُلْبِسُنَا قِنَاعاً بِطُولِ الأَيَّامِ، نِقَاطٌ لا تُنْسَى وَلا تُسْتَبْدَلُ، لَمْ تَكُ كِذْبَةً وَلا طُرُقاً مَسْدُودَةً أَوْ قَبْواً خَاوِياً. أَوَيُمْكِنُ أَنْ نَتَحَوَّلَ لِوَدَائِعَ بِحِسَابَاتِ البُنُوكِ؟
رُكَامٌ يَبْكِي خَلْفَ الدَّنْدَنَاتِ؟
أَمْ نُصْبِحُ مُقْتَطَفاً لا تُتَرْجِمُهُ أَيُّ لُغَاتٍ؟
لا أَعْرِفُ مَا عَلاقَةُ تَأَمُّلِ الصُّوَرِ بِتَحَسُّسِ الوُجُوهِ وَسُكُونِ الفَرَاغِ وَاسْتِشْعَارِ رَائِحَةِ البَحْرِ، وَالقَهْوَةِ، وَأَعْيَادِ المِيلادِ، وَحَفَلاتِ الزَّوَاجِ؟
فَبِهَزَّةِ رَأْسٍ نَكْشِفُ عَنْ ضَحِكٍ مِلْءَ الغِيَابِ وَصُرَاخٍ كَطِفْلٍ أَغْلَقَ البَابَ عَلَى يَدَيْهِ وَحَرَائِقِ الشَّيْطَانِ أَعْلَنَهَا.
فَنَنْكَمِشُ بَيْنَ البَارِحَةِ وَالغَدِ وَشُعُورِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي ذَاتِ الوَقْتِ!

قد يعجبك ايضا